ﮐﮑﮒﮓﮔﮕﮖﮗﮘﮙﮚﮛﮜﮝﮞﮟﮠﮡ

( ١ ) ليثبتوك : ليقيدوك أو يحبسوك.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لِيُثْبِتُوكَ ( ١ ) أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللّهُ وَاللّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ ( ٣٠ ) [ ٣٠ ].
في هذه الآية تذكير موجه إلى النبي صلى الله عليه وسلم بما كان من موقف الكفار في مكة إزاءه ؛ حيث تآمروا على سجنه أو قتله أو إخراجه فأحبط الله مكرهم بمكر أقوى وأنفذ.
تعليق على الآية
وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ
لقد ذكر المصحف الذي اعتمدناه أن هذه الآية مكية. وروى بعض المفسرين ذلك عن بعض التابعين وذكر ذلك السيوطي أيضا١. والصورة التي احتوتها الآية مكية من دون ريب. غير أن أسلوبها تذكيري مشابه لصورة مكية أخرى في الآية [ ٢٦ ] التي يدل مضمونها على مدنيتها دلالة قطعية تسوغ نفي مكية الآية التي نحن في صددها وترجيح مدنيتها هي الأخرى، والقول إنها جاءت لتعقب على الآيات السابقة التي نوهت بما كان من نصر الله لنبيه والمؤمنين في بدر ولتذكر بما كان من نصر الله لنبيه في مكة حينما مكر به كفارها وتآمروا عليه وتنجيته إياه. وجمهور المفسرين يديرون الكلام عن الآية في هذا النطاق.
ويروي المفسرون في صدد جملة أَوْ يُخْرِجُوكَ أن المتآمرين قالوا : نخرجه من بين أظهرنا ليذهب أنى شاء لا نبالي بما يصنع. وهذا غريب فالمتآمرون يجتمعون للتشاور في الطريقة المثلى لمنع تفاقم خطر النبي، فكيف يقول بعضهم بتركه حرا يذهب أنى شاء ؟ والمعقول أنهم قصدوا بذلك أن يخرجوه بالقوة إلى منفى إجباري يقيم فيه معزولا، فتفشل حركته ويؤمن خطره. وليس ثمة معنى يصح أن يتبادر في هذا المقام غير هذا، إلا أن يقال : إن مقترح هذا القول من الذين كانوا يميلون إلى بني هاشم أو ينتمون إليهم بنسب، أو من الذين كانوا يعترفون في قرارة نفوسهم بأن رسالة النبي صلى الله عليه وسلم حق ويخشون الدمار والاضطهاد من متابعته على ما شرحناه في سياق الآية [ ٥٧ ] من سورة القصص. وعلى كل حال، فإن ما حكته الآية لا يمكن أن يكون موضع تنفيذ وتحقيق إلا من قبل من هم قادرون عليه. وهذا يسوغ القول بالتبعية إن أصحاب السلطة الحكومية في مكة كانوا هم المتآمرون أو على رأسهم وقد ذكرت الروايات أن اجتماع المتآمرين كان في دار الندوة، وهذه الدار كانت مجتمع أصحاب السلطة والشأن من زعماء قريش على ما تذكره الروايات أيضا.
ونرى أن نستدرك أمرا في صدد معنى الإخراج، ففي السور المدنية آيات عديدة تذكر أن كفار قريش أخرجوا النبي والمسلمين أو أن النبي والمسلمون أخرجوا من ديارهم مثل آيات البقرة [ ١٩١ ] وآل عمران [ ١٩٥ ] والتوبة [ ٤١ ] والحج [ ٤٠ ] والحشر [ ٨ ] والممتحنة [ ١ ] والطلاق [ ٨ ] فالمتفق عليه أن هذه العبارات عنت في مقامها الإلجاء أو الاضطرار إلى الخروج بشدة المضايقة والمناوأة، وليست في معنى الإخراج أو الطرد عنوة وبالقوة، وهذا غير ما يتبادر لنا من كلمة يخرجوك في الآية التي نحن بصددها والله أعلم.
استطراد إلى ظروف وكيفية هجرة النبي صلى الله عليه وسلم والمسلمين.
والمتفق عليه أن تآمر المشركين الذي حكته الآية وذكرت به قد أدى إلى هجرة النبي والمسلمين من مكة إلى المدينة. فصارت المناسبة واردة لشرح كيفية وظروف هذا الحدث التاريخي العظيم، ولقد أسهب المفسرون في سياق هذه الآية، ثم في سياق آيات آل عمران [ ٩٨ ـ ١٠٣ ] في ذلك وروت تفصيلاتها كتب السيرة القديمة أيضا.
وملخص ما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم لما رأى شدة مناوأة زعماء قريش له ويئس منهم ومن استجابة معظم أهل مكة نتيجة لذلك. وتوفي عمه أبو طالب وكان ذلك في آخر السنة العاشرة من بعثته والذي كان ينصره عصبية ومعه جل بني هاشم. ثم توفيت زوجته السيدة خديجة رضي الله عنها بعد عمه بنحو شهر ونصف، والتي كانت من أقوى مشجعيه ومهدئيه، فضاقت مكة على نفسه وكاد ييئس منها وأخذ يفكر في مخرج خارج مكة، فسافر إلى الطائف لعله يجد فيها سمعا ونصرا فخاب أمله على ما شرحناه في سياق تفسير الآيات [ ٢٩ ـ ٣٢ ] من سورة الأحقاف. ثم أخذ يعرض نفسه على القبائل في موسم الحج وعرض نفسه في الجملة في السنة العاشرة على جماعة من الخزرج من أهل المدينة ودعاهم إلى الإسلام وتلا عليهم القرآن. فانشرحت صدورهم، وكانوا يسمعون من اليهود الذين كانوا في المدينة أنه يوشك أن يبعث الله نبيا من العرب مما أشارت إليه الآية [ ٨٩ ] من سورة البقرة على ما شرحناه في تفسيرها. فقالوا لبعضهم : لعله النبي الذي توعدكم به اليهود فلا يسبقنكم إليه. فأجابوه بالتصديق والإسلام وقالوا له : إنا تركنا قومنا ولا قوم بينهم من العداوة والشر ما بينهم، فعسى الله أن يجمعهم بك، وسنعرض عليهم أمرك فإن يجمعهم الله عليك فلا رجل أعزّ منك٢.
ولما رجعوا أخبروا قومهم وأخبروا جماعة الأوس أيضا ؛ حيث كانوا آنذاك في تهاون فانشرحت صدورهم، فلما كانت السنة القابلة جاء وفد خليط من الخزرج والأوس واجتمعوا برسول الله عند هضبة من هضاب مكة الخارجية، فآمنوا وبايعوه على الإسلام. وأرسل النبي صلى الله عليه وسلم مصعب بن عمير رضي الله عنه داعيا وقارئا وإماما. فأخذت دائرة الإسلام تتسع في المدينة. فلما كانت السنة القابلة وهي الثالثة في تاريخ الاتصالات بين النبي والأوس والخزرج جاء وفد كبير مؤلف من نحو سبعين من القبيلتين فاجتمع بهم في المكان الأول٣ وأخذ بيعتهم على الإسلام ورحبوا بهجرته وهجرة أصحابه إلى المدينة وعاهدوه على الدفاع عنه ونصرته، واختار منهم اثني عشر رجلا تسعة من الخزرج وثلاثة من الأوس فسماهم النقباء٤. ورجعوا دعاة للإسلام مع مصعب داعية النبي الأول فاتسعت دائرة الإسلام حتى لم يبق بيت إلا دخله وقد أشارت آية سورة الحشر إلى ذلك والذين تبوءوا الدار والإيمان من قبلهم يحبون من هاجر إليهم [ ٩ ] ومن ثم أذن النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه بالهجرة فأخذوا يهاجرون فردا بعد فرد وفوجا بعد فوج فيلقون الترحاب والرعاية.
ولقد شعر زعماء قريش بالحركة فاستشعروا بخطر عظيم لم يستشعروا به من قبل ؛ حيث كانوا يقولون : إن النبي لن يلبث أن يموت فينتهي أمره وهو ما أشارت إليه آية سورة الطور أم يقولون شاعر نتربص به ريب المنون ( ٣٠ ) وحيث حسبوا أن اتفاق النبي مع أهل المدينة وإسلامهم وهجرته مع أصحابه إليهم سوف يفتح عليهم باب خطر عظيم متعدد الوجهات ؛ لأن المدينة كانت طريق تجارتهم وكان الأوس والخزرج أولي حرب وبأس. فرأوا أن يدبروا تدبيرا يدرأ هذا الخطر، فاجتمعوا في دار الندوة، فاقترح بعضهم اعتقال النبي وتقييده بالحديد وحراسته حتى يموت. واقترح بعضهم إخراجه ليذهب أنى شاء فيستريحوا منه. واقترح بعضهم قتله بواسطة شباب من مختلف بطون قريش ليتفرق دمه ولا تقدر عشيرته على حربهم جميعا ثأرا له فيرضون بديته. ورأوا أن هذا هو الأهم فاتفقوا عليه وندبوا شبابا لرصده وتنفيذ القرار، وهذا ما أشارت إليه الآية التي نحن في صددها... وأخبره الله بواسطة جبريل وحذره من المبيت في بيته وفراشه فأمر عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه، وكان يعيش معه بالنوم مكانه والتسجي ببرده الأخضر الذي يتسجى به عادة عند النوم. ثم تسلل إلى دار أبي بكر رضي الله عنه. وكان هذا قد اعتزم الهجرة فقال له رسول الله : على رسلك عسى أن يأذن الله بالخروج، فحبس نفسه لصحبة رسول الله وأعد راحلتين واعتنى بعلفهما، فلما دخل إلى بيت أبي بكر قال له : إن الله قد أذن لي بالخروج. فركبا الراحلتين بعد الغسق وخرجا إلى جبل ثور من جبال مكة ؛ حيث كمنا في غار ثلاث ليال خشية أن يبعث زعماء قريش في طلبه حينما يفتقدونه. وكان يبيت عندهما عبد الله بن أبي بكر ثم يدلج إلى مكة كأنه بات فيها فيستمع الأخبار ويعود بها إليهما بعد الغلس. وكان لأبي بكر راع يروح عليهما في الغلس أو الفجر، فيجلب لهما الحليب الذي يغذيهما. ولقد صدق ظن رسول الله، حيث تروي الروايات والأحاديث أنهم أرسلوا من يلتمسونهما في شعاب مكة. ومرّ بعضهم بالغار حتى لقد تسلقه بعضهم وشعر بذلك أبو بكر فارتاع أشدّ الروع وقال للنبي : لو أن أحدهم ينظر إلى قدميه لأبصرنا تحتهما، فقال له : يا أبا بكر ما ظنك باثنين الله ثالثهما ؟ مما أشارت إليه آية سورة التوبة هذه : إِلاَّ تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُواْ ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللّهَ مَعَنَا فَأَنزَلَ اللّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُواْ السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ( ٤٠ ) .
ولما سكن عنهما الطلب خرجا من الغار واستأجرا دليلا أخذ بهم طريق السواحل. ولقد رصد الكفار جائزة كبيرة لمن يقتله أو يأسره فتصدى له رجل من بني مدلج اسمه سراقة بن مالك ولكن الله منعه. إذ ساخت أقدام فرسه ورأى من تأييد الله لرسوله ما جعله يوقن أنه ذو شأن عند الله فاستأمن وأعلن مسالمته وأخذ من النبي عهدا له ولقومه. وسمع المسلمون في المدينة بخروجهم، فأخذوا ينتظرون من يوم إلى يوم حتى بلغ ضاحية قباء من المدينة فنزل فيها على آل عوف، وأنشأوا أول مسجد في الإسلام فيها، ولبث بضع ليال ثم سار نحو المدينة. وكان المسلمون مبتهجين فرحين بقدومهم، وكل منهم يدعوه للنزول عندهم فطلب منهم أن يدعوا راحلته تسير حتى تبرك في مبرك يشاؤه الله. وقد بركت في مربد ليتامى، فاشتراه وهيأه مع أصحابه ليكون له مسجدا وبيتا٥.
ولقد كان حادث نجاة النبي صلى الله عليه وسلم من مكر الكفار وهجرته إلى المدينة ثاني أعظم أحداث السيرة النبوية وأبركها بعد الحدث الأعظم الأول، وهو نزول الوحي على رسول الله بأمر الله وقرآنه. حيث انفتح الأفق الواسع أمام الدعوة الإسلامية وانتشارها وانتصارها. وتحقق قول الله تعالى في آية سورة التوبة وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُواْ السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللّهِ هِيَ الْعُلْيَا [ ٤٠ ].
والروايات في تاريخ بدء الهجرة النبوية ووصول النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة مختلفة و ليس هناك أثر وثيق صحيح السند. وأشهر الروايات أن خروجه كان في أول شهر ربيع الأول ووصوله في نحو منتصفه، والله تعالى أعلم.
ولقد كان في إقدام المهاجرين الأولين من أصحاب رسول الله على ترك وطنهم وذوي أرحامهم وأموالهم وبيوتهم في سبيل الله تضحية عظمى، فكانت موضوع تنويه الله عز وجل في آية سورة الحشر هذه : لِلْفُقَرَاء الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ ( ٨ ) .



وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لِيُثْبِتُوكَ ( ١ ) أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللّهُ وَاللّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ ( ٣٠ ) [ ٣٠ ].
في هذه الآية تذكير موجه إلى النبي صلى الله عليه وسلم بما كان من موقف الكفار في مكة إزاءه ؛ حيث تآمروا على سجنه أو قتله أو إخراجه فأحبط الله مكرهم بمكر أقوى وأنفذ.
تعليق على الآية
وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ
لقد ذكر المصحف الذي اعتمدناه أن هذه الآية مكية. وروى بعض المفسرين ذلك عن بعض التابعين وذكر ذلك السيوطي أيضا١. والصورة التي احتوتها الآية مكية من دون ريب. غير أن أسلوبها تذكيري مشابه لصورة مكية أخرى في الآية [ ٢٦ ] التي يدل مضمونها على مدنيتها دلالة قطعية تسوغ نفي مكية الآية التي نحن في صددها وترجيح مدنيتها هي الأخرى، والقول إنها جاءت لتعقب على الآيات السابقة التي نوهت بما كان من نصر الله لنبيه والمؤمنين في بدر ولتذكر بما كان من نصر الله لنبيه في مكة حينما مكر به كفارها وتآمروا عليه وتنجيته إياه. وجمهور المفسرين يديرون الكلام عن الآية في هذا النطاق.
ويروي المفسرون في صدد جملة أَوْ يُخْرِجُوكَ أن المتآمرين قالوا : نخرجه من بين أظهرنا ليذهب أنى شاء لا نبالي بما يصنع. وهذا غريب فالمتآمرون يجتمعون للتشاور في الطريقة المثلى لمنع تفاقم خطر النبي، فكيف يقول بعضهم بتركه حرا يذهب أنى شاء ؟ والمعقول أنهم قصدوا بذلك أن يخرجوه بالقوة إلى منفى إجباري يقيم فيه معزولا، فتفشل حركته ويؤمن خطره. وليس ثمة معنى يصح أن يتبادر في هذا المقام غير هذا، إلا أن يقال : إن مقترح هذا القول من الذين كانوا يميلون إلى بني هاشم أو ينتمون إليهم بنسب، أو من الذين كانوا يعترفون في قرارة نفوسهم بأن رسالة النبي صلى الله عليه وسلم حق ويخشون الدمار والاضطهاد من متابعته على ما شرحناه في سياق الآية [ ٥٧ ] من سورة القصص. وعلى كل حال، فإن ما حكته الآية لا يمكن أن يكون موضع تنفيذ وتحقيق إلا من قبل من هم قادرون عليه. وهذا يسوغ القول بالتبعية إن أصحاب السلطة الحكومية في مكة كانوا هم المتآمرون أو على رأسهم وقد ذكرت الروايات أن اجتماع المتآمرين كان في دار الندوة، وهذه الدار كانت مجتمع أصحاب السلطة والشأن من زعماء قريش على ما تذكره الروايات أيضا.
ونرى أن نستدرك أمرا في صدد معنى الإخراج، ففي السور المدنية آيات عديدة تذكر أن كفار قريش أخرجوا النبي والمسلمين أو أن النبي والمسلمون أخرجوا من ديارهم مثل آيات البقرة [ ١٩١ ] وآل عمران [ ١٩٥ ] والتوبة [ ٤١ ] والحج [ ٤٠ ] والحشر [ ٨ ] والممتحنة [ ١ ] والطلاق [ ٨ ] فالمتفق عليه أن هذه العبارات عنت في مقامها الإلجاء أو الاضطرار إلى الخروج بشدة المضايقة والمناوأة، وليست في معنى الإخراج أو الطرد عنوة وبالقوة، وهذا غير ما يتبادر لنا من كلمة يخرجوك في الآية التي نحن بصددها والله أعلم.
استطراد إلى ظروف وكيفية هجرة النبي صلى الله عليه وسلم والمسلمين.
والمتفق عليه أن تآمر المشركين الذي حكته الآية وذكرت به قد أدى إلى هجرة النبي والمسلمين من مكة إلى المدينة. فصارت المناسبة واردة لشرح كيفية وظروف هذا الحدث التاريخي العظيم، ولقد أسهب المفسرون في سياق هذه الآية، ثم في سياق آيات آل عمران [ ٩٨ ـ ١٠٣ ] في ذلك وروت تفصيلاتها كتب السيرة القديمة أيضا.
وملخص ما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم لما رأى شدة مناوأة زعماء قريش له ويئس منهم ومن استجابة معظم أهل مكة نتيجة لذلك. وتوفي عمه أبو طالب وكان ذلك في آخر السنة العاشرة من بعثته والذي كان ينصره عصبية ومعه جل بني هاشم. ثم توفيت زوجته السيدة خديجة رضي الله عنها بعد عمه بنحو شهر ونصف، والتي كانت من أقوى مشجعيه ومهدئيه، فضاقت مكة على نفسه وكاد ييئس منها وأخذ يفكر في مخرج خارج مكة، فسافر إلى الطائف لعله يجد فيها سمعا ونصرا فخاب أمله على ما شرحناه في سياق تفسير الآيات [ ٢٩ ـ ٣٢ ] من سورة الأحقاف. ثم أخذ يعرض نفسه على القبائل في موسم الحج وعرض نفسه في الجملة في السنة العاشرة على جماعة من الخزرج من أهل المدينة ودعاهم إلى الإسلام وتلا عليهم القرآن. فانشرحت صدورهم، وكانوا يسمعون من اليهود الذين كانوا في المدينة أنه يوشك أن يبعث الله نبيا من العرب مما أشارت إليه الآية [ ٨٩ ] من سورة البقرة على ما شرحناه في تفسيرها. فقالوا لبعضهم : لعله النبي الذي توعدكم به اليهود فلا يسبقنكم إليه. فأجابوه بالتصديق والإسلام وقالوا له : إنا تركنا قومنا ولا قوم بينهم من العداوة والشر ما بينهم، فعسى الله أن يجمعهم بك، وسنعرض عليهم أمرك فإن يجمعهم الله عليك فلا رجل أعزّ منك٢.
ولما رجعوا أخبروا قومهم وأخبروا جماعة الأوس أيضا ؛ حيث كانوا آنذاك في تهاون فانشرحت صدورهم، فلما كانت السنة القابلة جاء وفد خليط من الخزرج والأوس واجتمعوا برسول الله عند هضبة من هضاب مكة الخارجية، فآمنوا وبايعوه على الإسلام. وأرسل النبي صلى الله عليه وسلم مصعب بن عمير رضي الله عنه داعيا وقارئا وإماما. فأخذت دائرة الإسلام تتسع في المدينة. فلما كانت السنة القابلة وهي الثالثة في تاريخ الاتصالات بين النبي والأوس والخزرج جاء وفد كبير مؤلف من نحو سبعين من القبيلتين فاجتمع بهم في المكان الأول٣ وأخذ بيعتهم على الإسلام ورحبوا بهجرته وهجرة أصحابه إلى المدينة وعاهدوه على الدفاع عنه ونصرته، واختار منهم اثني عشر رجلا تسعة من الخزرج وثلاثة من الأوس فسماهم النقباء٤. ورجعوا دعاة للإسلام مع مصعب داعية النبي الأول فاتسعت دائرة الإسلام حتى لم يبق بيت إلا دخله وقد أشارت آية سورة الحشر إلى ذلك والذين تبوءوا الدار والإيمان من قبلهم يحبون من هاجر إليهم [ ٩ ] ومن ثم أذن النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه بالهجرة فأخذوا يهاجرون فردا بعد فرد وفوجا بعد فوج فيلقون الترحاب والرعاية.
ولقد شعر زعماء قريش بالحركة فاستشعروا بخطر عظيم لم يستشعروا به من قبل ؛ حيث كانوا يقولون : إن النبي لن يلبث أن يموت فينتهي أمره وهو ما أشارت إليه آية سورة الطور أم يقولون شاعر نتربص به ريب المنون ( ٣٠ ) وحيث حسبوا أن اتفاق النبي مع أهل المدينة وإسلامهم وهجرته مع أصحابه إليهم سوف يفتح عليهم باب خطر عظيم متعدد الوجهات ؛ لأن المدينة كانت طريق تجارتهم وكان الأوس والخزرج أولي حرب وبأس. فرأوا أن يدبروا تدبيرا يدرأ هذا الخطر، فاجتمعوا في دار الندوة، فاقترح بعضهم اعتقال النبي وتقييده بالحديد وحراسته حتى يموت. واقترح بعضهم إخراجه ليذهب أنى شاء فيستريحوا منه. واقترح بعضهم قتله بواسطة شباب من مختلف بطون قريش ليتفرق دمه ولا تقدر عشيرته على حربهم جميعا ثأرا له فيرضون بديته. ورأوا أن هذا هو الأهم فاتفقوا عليه وندبوا شبابا لرصده وتنفيذ القرار، وهذا ما أشارت إليه الآية التي نحن في صددها... وأخبره الله بواسطة جبريل وحذره من المبيت في بيته وفراشه فأمر عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه، وكان يعيش معه بالنوم مكانه والتسجي ببرده الأخضر الذي يتسجى به عادة عند النوم. ثم تسلل إلى دار أبي بكر رضي الله عنه. وكان هذا قد اعتزم الهجرة فقال له رسول الله : على رسلك عسى أن يأذن الله بالخروج، فحبس نفسه لصحبة رسول الله وأعد راحلتين واعتنى بعلفهما، فلما دخل إلى بيت أبي بكر قال له : إن الله قد أذن لي بالخروج. فركبا الراحلتين بعد الغسق وخرجا إلى جبل ثور من جبال مكة ؛ حيث كمنا في غار ثلاث ليال خشية أن يبعث زعماء قريش في طلبه حينما يفتقدونه. وكان يبيت عندهما عبد الله بن أبي بكر ثم يدلج إلى مكة كأنه بات فيها فيستمع الأخبار ويعود بها إليهما بعد الغلس. وكان لأبي بكر راع يروح عليهما في الغلس أو الفجر، فيجلب لهما الحليب الذي يغذيهما. ولقد صدق ظن رسول الله، حيث تروي الروايات والأحاديث أنهم أرسلوا من يلتمسونهما في شعاب مكة. ومرّ بعضهم بالغار حتى لقد تسلقه بعضهم وشعر بذلك أبو بكر فارتاع أشدّ الروع وقال للنبي : لو أن أحدهم ينظر إلى قدميه لأبصرنا تحتهما، فقال له : يا أبا بكر ما ظنك باثنين الله ثالثهما ؟ مما أشارت إليه آية سورة التوبة هذه : إِلاَّ تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُواْ ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللّهَ مَعَنَا فَأَنزَلَ اللّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُواْ السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ( ٤٠ ) .
ولما سكن عنهما الطلب خرجا من الغار واستأجرا دليلا أخذ بهم طريق السواحل. ولقد رصد الكفار جائزة كبيرة لمن يقتله أو يأسره فتصدى له رجل من بني مدلج اسمه سراقة بن مالك ولكن الله منعه. إذ ساخت أقدام فرسه ورأى من تأييد الله لرسوله ما جعله يوقن أنه ذو شأن عند الله فاستأمن وأعلن مسالمته وأخذ من النبي عهدا له ولقومه. وسمع المسلمون في المدينة بخروجهم، فأخذوا ينتظرون من يوم إلى يوم حتى بلغ ضاحية قباء من المدينة فنزل فيها على آل عوف، وأنشأوا أول مسجد في الإسلام فيها، ولبث بضع ليال ثم سار نحو المدينة. وكان المسلمون مبتهجين فرحين بقدومهم، وكل منهم يدعوه للنزول عندهم فطلب منهم أن يدعوا راحلته تسير حتى تبرك في مبرك يشاؤه الله. وقد بركت في مربد ليتامى، فاشتراه وهيأه مع أصحابه ليكون له مسجدا وبيتا٥.
ولقد كان حادث نجاة النبي صلى الله عليه وسلم من مكر الكفار وهجرته إلى المدينة ثاني أعظم أحداث السيرة النبوية وأبركها بعد الحدث الأعظم الأول، وهو نزول الوحي على رسول الله بأمر الله وقرآنه. حيث انفتح الأفق الواسع أمام الدعوة الإسلامية وانتشارها وانتصارها. وتحقق قول الله تعالى في آية سورة التوبة وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُواْ السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللّهِ هِيَ الْعُلْيَا [ ٤٠ ].
والروايات في تاريخ بدء الهجرة النبوية ووصول النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة مختلفة و ليس هناك أثر وثيق صحيح السند. وأشهر الروايات أن خروجه كان في أول شهر ربيع الأول ووصوله في نحو منتصفه، والله تعالى أعلم.
ولقد كان في إقدام المهاجرين الأولين من أصحاب رسول الله على ترك وطنهم وذوي أرحامهم وأموالهم وبيوتهم في سبيل الله تضحية عظمى، فكانت موضوع تنويه الله عز وجل في آية سورة الحشر هذه : لِلْفُقَرَاء الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ ( ٨ ) .

التفسير الحديث

عرض الكتاب
المؤلف

دروزة

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير