قوله تعالى : وَلَوْ ترى إِذْ يَتَوَفَّى الذين كَفَرُواْ الملائكة الآية.
لمَّا شرح أحوال الكُفَّار، شرح أحوال موتهم، والعذاب الذي يصل إليهم.
قرأ ابن عامر والأعرج١ " تَتَوفَّى " بتاء التأنيث، لتأنيث الجماعة، والباقون بياء الغيبة وفيها تخريجان، أظهرهما - لموافقة قراءة من تقدَّم - : أنَّ الفاعل هم الملائكة، وإنما ذُكِّرَ للفصل ؛ ولأنَّ التأنيث مجازي.
والثاني : أنَّ الفاعل ضمير الله تعالى : لتقدم ذكره و " الملائكةُ " مبتدأ، و " يَضْرِبُونَ " خبره، وفي هذه الجملةِ حينئذٍ وجهان :
أحدهما : أنَّها حالٌ من المفعول.
والثاني : أنَّها استئنافيةٌ، جواباً لسؤالٍ مقدر، وعلى هذا فيوقف على " الَّذين كَفَرُوا " بخلاف الوجهين قبله.
وضعَّف ابنُ عطية وجه الحالِ بعدم الواو، وليس بضعيفٍ لكثرة مجيء الجملة الحالية مشتملة على ضمير ذي الحال خاليةً من " واو " نظماً ونثراً، وعلى كون " الملائكةُ " فاعلاً، يكون " يَضْربُونَ " جملةً حاليةً، سواءً قرىء بالتأنيث أم بالتذكير، وجوابُ " لَوْ " محذوفٌ للدلالة عليه، أي : رأيت أمراً عظيماً.
فصل
المعنى : ولو عاينت ؛ لأنَّ " لو " ترد المضارع إلى الماضي، كما ترد " إن " الماضي إلى المضارع.
قال الواحديُّ - رحمه الله - :" معنى يتوفى الذين كفروا، يقبضون أرواحهم " قيل : عند الموت تضرب الملائكة وجوه الكفار وأدبارهم. وقيل : أراد المشركين الذين قتلوا ببدر، كانت الملائكة يضربون وجوههم وأدبارهم.
قال سعيدُ بن جبيرٍ، ومجاهد : يريدُ : أستاههم ولكن الله تعالى حَييٌّ يُكَنِّي٢.
وقال ابن عباس " كان المشركون إذا أقبلوا بوجوههم إلى المسلمين ضربوا وجوههم بالسيف وإذا ولَّوْا أدركتهم الملائكة يضربون أدبارهم٣ " وقال ابن جريح " يريدُ ما أقبل منهم وما أدبر يضربون أجسادهم كلها ". والمراد بالتوفي : القتل.
قوله وَذُوقُواْ عَذَابَ الحريق هذا منصوب بإضمار قول الملائكة، أي : يضربونهم ويقولون لهم : ذوقوا. وقيل : الواو في " يَضْربُونَ " للمؤمنين أي : يَضْربونهم حال القتال، وحال توفِّي أرواحهم الملائكة.
قيل : كان مع الملائكة مقامع من حديد، يضربون بها الكُفَّار، فتلتهب النَّار في جراحاتهم ؛ فذلك قوله : وَذُوقُواْ عَذَابَ الحريق ، وقال الحسن - رضي الله عنه - :" هذا يوم القيامة، تقولُ لهم خزنةُ جهنم : ذوقوا عذاب الحريقِ٤ " وقال ابنُ عبَّاسٍ - رضي الله تعالى عنهما - :" يقولون لهم ذلك بعد الموت " ٥.
٢ أخرجه الطبري في "تفسيره" (٦/٢٦٧-٢٦٨) وذكره البغوي في "معالم التنزيل" (٢/٢٥٦)..
٣ ذكره البغوي في "معالم التنزيل" (٢/٢٥٦) والرازي في "تفسيره" (١٥/١٤٢)..
٤ انظر: المصدر السابق..
٥ انظر: المصدر السابق..
اللباب في علوم الكتاب
أبو حفص سراج الدين عمر بن علي بن عادل الحنبلي الدمشقي النعماني
عادل أحمد عبد الموجود