ولو ترى يا نبي الله. ( لو ) حرف شرط تقلب المضارع ماضيا غالبا. ولو ترى هنا بمعنى : لو رأيت. لأن ( لو ) من حرف الشروط التي تختص بالمعنى الماضي غالبا، وفي أغلب أحوالها إذا جاء بعدها مضارع، وهو ليس بكثير، ولكنه موجود في كلام العرب، ومن إتيان المعنى بعدها مضارعا ولو كان ماضيا : وليخش الذين لو تركوا من خلفهم ذرية ضعفا [ النساء : الآية ٩ ] لأن تركهم للذرية مستقبل، لأنهم في ذلك الوقت أحياء. ومن إتيانه مستقبلا غير مصروف إلى الماضي قول المجنون :
فلو تلتقي أصداؤنا بعد موتنا *** ومن دونه رمسينا من الأرض منكب
لظل صدى صوتي وإن كنت رمة *** لصوت صدى ليلى يهش ويطرب
ولو ترى يا محمد صلوات الله وسلامه عليه ترى إذ يتوفى ترى حين يتوفى الملائكة.
قرأ هذا الحرف عامة القراء السبع غير ابن عامر : ولو ترى إذ يتوفى الذين كفروا الملائكة بالياء. وقرأه ابن عامر وحده : ولو ترى إذ يتوفى الذين كفروا الملائكة .
وتتوفاهم : أصل التوفي في لغة العرب التي نزل بها القرآن معناه : أخذ الشيء وافيا : تقول العرب : " توفيت ديني "، أي : أخذته وافيا. وكان حقيقة عرفية في أخذ الروح من البدن. فصار التوفي حقيقة عرفية في أخذ الروح وافية كاملة من البدن بحيث لم يبق فيه روح ألبتة.
والملائكة : جمع ملك. والتحقيق عند جماعة من العلماء : أن اشتقاق الملك من الألوكة، والألوكة : الرسالة، لأن لطالب العلم أن يقول : مفرد الملائكة ملك، وجمعه : الملائكة – بالهمزة – فمن أين جاءت هذه الهمزة ؟ وما الجالب لها ؟
والجواب عن هذا : ما قاله بعض العلماء : أن أصل الملك :( مألك ) ( مفعل ) من الألوكة. والألوكة في لغة العرب : الرسالة. وألكني إليه : احمل إليه مألكتي، أي : رسالتي، ومنه قول أبي ذؤيب الهذلي :
ألكني إليها وخير الرسول *** أعلمهم بنواحي الخير
فأصله :( مألك ) لأنهم يحملون مآلك الله، أي : رسالات الله، منهم من يرسل لتسخير المطر، ومنهم من يرسل لقبض الأرواح، ومنهم من يرسل لضبط الأعمال، ومنهم من يرسل لحفظ بني آدم أن تتخطفهم الشياطين، كما قال تعالى عنهم : فالمدبرات أمرا ( ٥ ) [ النازعات : الآية ٥ ] فلما كانوا يحملون المآلك، أي : الرسائل من الله في الشئون الشتى قيل فيه :( مألك ). ثم وقع فيه قلب فعل الفاء مكان العين، والعين مكان الفاء، وهذا القلب معروف في الصرف، فقيل فيه :( ملك ) ووزنه :( مألك ) ( مفعل ) فقلب فصار ( ملك ) على وزن ( معفل ) ثم نقلت حركة الهمزة للام فقيل فيه :( ملك ). فكان عند جمع التكسير تظهر الهمزة التي هي في أصله في محلها الذي قلبت فيه، قال بعض العلماء : هذا أصله. و الملئكة فاعل تتوفى أي : تقبض أرواحهم من أجسادهم كاملة. والفعل المضارع في قوله : يضربون جملته حالية. وأصل الفعل المضارع المثبت إذا كانت جملته حالية لا تربط بالواو بل بالضمير كما هنا يضربون أي : الملائكة. يعني : يتوفون يأخذون أرواحهم في حال كونهم ضاربين وجوههم وأدبارهم. الوجوه : جمع الوجه. الأدبار : جمع الدبر، وقال جماعة من السلف : المراد بالأدبار : الأستاه – أكرمكم الله جل وعلا – قالوا : ولكن الله ( جل وعلا ) حيي كريم يكني، فكنى عن الاست بالدبر، ولذا قال : يضربون وجوههم وأدبرهم .
وقوله : ذوقوا عذاب الحريق مقول قول محذوف، أي : ويقولون لهم : ذوقوا عذاب الحريق.
اختلف العلماء في وقت ذوقهم عذاب الحريق، قال بعض العلماء : هو عند وفاتهم عندما يأخذون أرواحهم يضربون بسياط من نار فتشتعل نارا فيقولون لهم : ذوقوا عذاب الحرق .
وقال بعض العلماء : هي للملائكة الذين قاتلوا في بدر يضربون الكفار، ويأخذون أرواحهم، ويضربونهم بسياط النار فتشتعل في جروحهم فيقولون لهم : ذوقوا عذاب الحريق .
وقالت جماعة من العلماء : هذا يوم القيامة : وممن قال به : الحسن البصري، أي : يضربون وجوهم وأدبارهم الآن عند الاحتضار، ويبشرونهم يوم القيامة بما هو أدهى من ذلك، وهو عذاب الحريق. وهذا معنى قوله : توفاهم الملئكة يضربون وجوههم وأدبرهم وذوقوا عذاب الحريق [ الأنفال : الآية ٥٠ ].
والتحقيق أن هذا ليس خاصا بالذين قتلوا من الكفار يوم بدر، بل هو عام، وأن الملائكة تضرب الكفار عند احتضارهم على الوجوه والأدبار، كما جاء مصرحا به في سورة القتال، وجاء مشارا إليه في الأنعام، لأن الله قال في الأنعام : ولو ترى إذ الظلمون في غمرت الموت والملئكة باسطوا أيديهم [ الأنعام : الآية ٩٣ ] باسطوها إليهم بالضرب – والعياذ بالله – وقال ( جل علا ) في سورة القتال : الشيطان سول لهم وأملى لهم ( ٢٥ ) ذلك بأنهم قالوا للذين كرهوا ما نزل الله سنطيعكم في بعض الأمر والله يعلم إسرارهم ( ٢٦ ) وفي القراءة الأخرى : إسرارهم ( ٢٦ ) فكيف إذا توفتهم الملائكة يضربون وجوههم وأدبرهم ( ٢٧ ) ذلك بأنهم اتبعوا ما أسخط الله وكرهوا رضوانه فأحبط أعملهم ( ٢٨ ) [ محمد : الآيات ٢٥ - ٢٨ ] فدلت آية القتال هذه على أنها ما يسخط الله يأتيه هذا الوعيد الشديد، ومن أعظم الناس نصيبا فيه هؤلاء الذين يأتون الكفرة الفجرة الذين يكرهون القرآن وما أنزل الله، ويقولون لهم : سنطيعكم في بعض الأمر [ محمد : الآية ٢٦ ] وأحرى إن أطاعوهم في كل الأمر، هؤلاء أكثر الناس نصيبا في ضرب الملائكة عند الاحتضار على الوجوه والأدبار – والعياذ بالله – وهذا معنى فوله : ولو ترى إذ يتوفى الذين كفروا الملئكة يضربون وجوههم وأدبرهم [ الأنفال : الآية ٥٠ ] قال بعض العلماء : الضرب على الوجوه والأدبار أشد وقعا. وقال بعض العلماء : على القول بأنها في أهل بدر أنهم يضربون وجه المشرك مقبلا، فإذا فر مدبرا ضربوا دبره. وقد قدمنا أن التحقيق العموم، وأنها لا تختص بمن قتل في بدر. وهذا معنى قوله : يضربون وجوههم وأدبرهم وذوقوا عذاب الحريق . قال بعض العلماء : ذوق عذاب الحريق عند الاحتضار، لأن المقامع التي يضربونهم بها تلتهب عليهم نارا.
وقال بعض العلماء : يبشرون بالحريق يوم القيامة. ولا مانع من وقوع الكل. هذا معنى قوله : وذوقوا عذاب الحريق . وجواب ( لو ) في هذه الآية محذوف، وتقديره : لو ترى يا محمد حين يتوفى الملائكة الكفرة في حال كونهم ضاربين وجوههم وأدبارهم مبشرين لهم بالحريق، لو ترى ذلك الوقت لرأيت أمرا فظيعا شنيعا يجب الحذر منه، وجواب ( لو ) حذفه إذا دل المقام عليه أسلوب عربي معروف يكثر في القرآن العظيم وفي لسان العرب، ومنه في القرآن العظيم : كلا لو تعلمون علم اليقين ( ٥ ) [ التكاثر : الآية ٥ ] أي : لو تعلمون علم اليقين لما ألهاكم التكاثر حتى زرتم المقابر، ونظيره من كلام العرب في حذف جواب ( لو ) قول الشاعر :
فأقسم لو شيء أتانا رسوله *** سواك ولكن لم نجد لك مدفعا
أي : لو شيء سواك لرددناه.
وقال جل وعلا : ولو أن قرءانا سيرت به الجبال أو قطعت به الأرض أو كلم به الموتى [ الرعد : الآية ٣١ ] ولم يذكر جواب ( لو ) وقال بعض العلماء : جوابه : لو أن قرآنا سيرت به الجبال لكان هذا القرآن على حد قوله :
ولو طال ذو حافر قبلها *** لطارت ولكنه لم يطر
وقال بعض العلماء : جواب ( لو ) المحذوف في آية الرعد لو أن قرآنا سيرت به الجبال لو سيرنا الجبال بالقرآن وقطعنا به الأرض لكفرتم بالرحمن. ويدل على هذا التقدير الأخير قوله قبله : وهم يكفرون بالرحمن قل هو ربي الآية [ الرعد : الآية ٣٠ ]. وهذا معنى قوله : ولو ترى إذ يتوفى الذين كفروا الملئكة يضربون وجوههم وأدبرهم وذوقوا عذاب الحريق ( ٥٠ ) ذلك بما قدمت أيديكم [ الأنفال : الآيتان ٥٠، ٥١ ].
العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير
الشنقيطي - العذب النمير