ﯨﯩﯪﯫﯬﯭﯮﯯﯰﯱﯲﯳﯴﯵﯶﯷﯸﯹﯺ

وقوله ( جل وعلا ) في هذه الآيات الكريمة كدأب ءال فرعون والذين من قبلهم كفروا بئايت الله فأخذهم الله بذنوبهم إن الله قوي شديد العقاب ( ٥٢ ) [ الأنفال : الآية ٥٢ ] الكاف في قوله : كدأب في محل رفع خبر مبتدأ محذوف. أي : دأبهم دأب كفار مكة، أبي جهل وأصحابه. دأبهم : أي : عادتهم، ودينهم، وديدنهم كدأب آل فرعون، لأن فرعون وقومه كان دأبهم الكفر، وتكذيب الرسل، والتمرد على الله، والكفر بالآيات، وجحودها بعد الاستيقان ؛ لأن فرعون – لعنه الله – متيقن كل اليقين أن نبي الله موسى صادق، وقد أوضح الله يقينه في موضعيين : أحدهما قوله فيه [ في سورة النمل : وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلما وعلوا الثاني : قوله تعالى إخبارا عن قول موسى لفرعون في سورة الإسراء : لقد علمتم ما أنزل هؤلاء إلا رب السموت والأرض بصائر وإني لأظنك يفرعون مثبورا وهذا كان دأب المكذبين من الأقوام الذي بعث فيهم الرسل كقوم نوح ] ١.
وقوم صالح وقوم شعيب وقوم لوط، كل هؤلاء كانوا في غاية التمرد والعتو وتكذيب الرسل بعد قيام المعجزات ووضوح الحق. بين الله ( جل وعلا ) أن كفار قريش دأبهم كدأب أولئك. والدأب في لغة العرب : العادة. فكل من يجري على سنن مطرد وعادة ووتيرة تقول العرب : هذا دأبه. أي : عادته وديدنه الذي يسير عليه دائما. ومنه قول امرئ القيس في إحدى روايتي بيته ٢ :

كدأبك من أم الحويرث قبلها وجارتها أم الرباب بمأسل
وقرأ هذا الحرف عامة القراء غير أبي عمرو في رواية السوسي : كدأب ءال فرعون بتحقيق الهمزة، وقرأ أبو عمرو في رواية السوسي عنه خاصة : كدب ءال فرعون بإبدال الهمزة ألفا في الموضعين.
والمعنى : دأب هؤلاء الكفرة دأبهم وديدنهم مثل دأب آل فرعون في تكذيب الرسل، لأن فرعون كلما جاءته آية يقول : لئن كشفت عنا الرجز لنؤمن لك ولنرسلن معك بني إسراءيل ( ١٣٤ ) فلما كشفنا عنهم الرجز إلى أجل هم بلغوه إذا هم ينكثون ( ١٣٥ ) [ الأعراف : الآيتان ١٣٤، ١٣٥ ] حتى صارحوه في آخر الأمر وقالوا له : مهما تأتنا به من ءاية لتسحرنا بها فما نحن لك بمؤمنين [ الأعراف : الآية ١٣٢ ] يعني : دأب هؤلاء الكفرة من قريش ومن سار سيرهم كدأب الكفرة العتاة المتمردين من الأمم الماضية آل فرعون والذين من قبلهم، كقوم نوح، وقوم هود، وقوم صالح، وقوم لوط، وقوم شعيب، وقد قدمنا قصصهم مفصلة في سورة الأعراف وغيرها. وهذا معنى قوله : كدأب ءال فرعون والذين من قبلهم [ الأنفال : الآية ٥٢ ].
ثم فسر دأب آل فرعون ومن قبلهم وبين عادتهم، قال : كفروا بئايت الله كفروا بها : جحدوا بها. وآيات الله : ما تتلوه عليهم الرسل من آياته الشرعية الدينية، وما يعاينونه من المعجزات من آياته الكونية القدرية، وهذا معنى قوله : كفروا بئيت الله فأخذهم الله بذنوبهم [ الأنفال : الآية ٥٢ ] العرب تقول : " أخذه الله " إذا عاقبه عقابا شديدا أليما. وقد روى البخاري ومسلم في صحيحيهما ( رحمهما الله ) من حديث أبي موسى الأشعري ( رضي الله عنه ) أن النبي ( صلوات الله وسلامه عليه ) قال : " إن الله ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته " ثم تلا صلى الله عليه وسلم قوله تعالى : وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى وهي ظلمة إن أخذه أليم شديد ( ١٠٢ ) [ هود : الآية ١٠٢ ] ٣ فأخذهم الله بذنوبهم أي : أهلكهم وعاقبهم العقاب الشديد بسبب ذنوبهم والذنب : هو الجريمة التي يستحق صاحبها النكال. وهذا معنى قوله : فأخذهم الله بذنوبهم .
إن الله قوي القوة : ضد الضعف، وقد بين ( جل وعلا ) أن القوة ضد الضعف في قوله : الله الذي خلقكم من ضعف ثم جعل من بعد ضعف قوة.... الآية [ الروم : الآية ٥٤ ]. وهذا معنى قوله : إن الله قوي لأن الله ( جل وعلا ) قوي، هو أقوى من كل شيء، حتى لما قال عاد ما قالوا من أشد منا قوة قال لهم : أولم يروا أن الله الذي خلقهم هم أشد منهم قوة [ فصلت : الآية ١٥ ].
شديد العقاب العقاب : النكال الشديد لأجل الذنب. قال بعض العلماء : سمي عقابا لأنه يأتي عقب الذنب من أجله. وقد بينا مرارا أن الله ( جل وعلا ) في كتابه ينوه بشدة عقابه شديد العقاب شديد العذاب [ البقرة : الآية ١٢٥ ] عذاب أليم [ البقرة : الآية ١٧٤ ] عذاب شديد [ إبراهيم : الآية ٢ ] ونحو ذلك من تشنيع عذابه وفظاعته، وإن الأمر كذلك ؛ لأنه ليس يوجد عذاب هو في غايته شديد فظيع إلا عذاب الله ( جل وعلا ) فيومئذ لا يعذب عذابه أحد ( ٢٥ ) ولا يوثق وثاقه أحد ( ٢٦ ) [ الفجر : الآيتان ٢٥، ٢٦ ] لأن الناس إذا عذبوا المجرمين، والملوك الطغاة البغاة إذا أرادوا أن يعذبوا لا يستطيعون من العذاب إلا قدر ما يستوجب الموت مرة واحدة، فإذا شددوا العذاب على المعذب بقدر ما يستوجب الموت مرة واحدة، فإذا شددوا العذاب على المعذب بقدر ما يميته مات وانتهى الأمر، أما خالق السماوات والأرض ( جل وعلا ) فإنه يعذبه بالآلاف مما يستوجب الموت وهو لا يموت. ويأتيه الموت من كل مكان وما هو بميت [ إبراهيم : الآية ١٧ ] وقال جل وعلا : كلما نضجت جلودهم بدلنهم جلودا غيرها ليذوقوا العذاب [ النساء : الآية ٥٦ ] لا يقضى عليهم فيموتوا ولا يخفف عنهم من عذابها [ فاطر : الآية ٣٦ ] نادوا يملك ليقض علينا ربك قال إنكم مكثون ( ٧٧ ) [ الزخرف : الآية ٧٧ ] فهذا العذاب الذي لا تقطعه الموت ولا غيرها هو الذي يخاف منه ويحذر منه، وهو الشديد بمعنى الكلمة، فعلى كل عاقل أن يتحفظ منه ويتحرز منه في دار الدنيا مع إمكان الفرصة قبل أن يفوت الأوان ويندم حيث لا ينفع الندم، وهذا معنى قوله : إن الله قوي شديد العقاب [ الأنفال : الآية ٥٢ ].
١ في هذا الموضع انقطع التسجيل، وما بين المعقوفين [ ] زيادة يتم بها الكلام..
٢ ديوانه ص ١١١..
٣ مضى عند تفسير الآية (٤٢) من سورة الأنعام..

العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير

عرض الكتاب
المؤلف

الشنقيطي - العذب النمير

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير