ثم يعطينا الحق سبحانه وتعالى أمثلة قمة الكفر في الحياة الدنيا فيقول تبارك وتعالى :
كَدَأْبِ آَلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَفَرُوا بِآَيَاتِ اللَّهِ فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ شَدِيدُ الْعِقَابِ ( ٥٢ ) .
و الدأب هو العادة التي تتكرر مع الإنسان ويقال : دؤوب على كذا ؛ أي يفعله باستمرار. ويوضح الله سبحانه وتعالى هنا لرسوله صلى الله عليه وسلم : دأب هؤلاء الكفار معك يا محمد، أي عادتهم معك، كدأب آل فرعون مع رسولهم، أي أنهم يفعلون معك كما فعل آل فرعون مع موسى عليه السلام.
وقوله تعالى : والذين من قبلهم : أي قوم نوح وهود وصالح ولوط وغيرهم، ما الذي حدث لهؤلاء ؟، هلاك أو استئصال أو تعذيب أو إغراق أو خسف. إذن فالكفار الذين يعادون رسول الله صلى الله عليه وسلم ويحاربونه، ويقفون موقف الأذى منه، هذا الدأب والموقف منهم معه مثل دأب وموقف آل فرعون مع موسى عليه السلام، وقوم لوط مع لوط عليه السلام، وكذلك الذين من قبلهم، ويقول الحق تبارك وتعالى :
كَفَرُوا بِآَيَاتِ اللَّهِ ( من الآية ٥٢ سورة الأنفال )، فهل تركهم الله ؟ لا. فأخذهم الله بذنوبهم
فمنهم من أُغرقوا، ومنهم من أصابتهم الصاعقة، ومنهم من خسف الله بهم الأرض، ومادام الله سبحانه وتعالى قد فعل ذلك مع الكفار السابقين كما هو ثابت. فسبحانه وتعالى سوف ينزل عقابه على الكفار الذين يكذبون رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهم لن يخرجوا عن قاعدة التعامل مع المكذبين للرسل، وقد حدثت سوابق متشابهة في الكون وقضايا واقعية. فآل فرعون مثلا بلغوا قمة التقدم والحضارة في عصرهم وسبحانه وتعالى يقول عن حضارة الفراعنة :
وفرعون ذي الأوتاد( ١٠ ) ( سورة الفجر ).
وبالنسبة لثمود إذا ذهبنا إلى مدائن صالح في السعودية نجد آثار ثمود وقد حفروا بيوتهم في صخور الجبال، ويقول الحق عن حضارة ثمود :
وثمود الذين جابوا الصّخر بالواد( ٩ ) ( سورة الفجر ).
وكل الحضارات القديمة قد زالت في غالبيتها ولا أثر لها، وإن وجد أثر، فهو أثر قليل وبسيط لا يحمل كل سمات الحضارة، إلا آثار الفراعنة ؛ حيث تحوي مسلات ضخمة وأعمدة عالية وأهرامات كبيرة وهي باقية، أما حضارة قوم عاد فالحق سبحانه قد طمس آثارها فلم نعثر منها على شيء حتى الآن. لقد انطمست غالبية آثار الحضارات إلا آثار حضارة آل فرعون التي يأتي إليها الناس من أنحاء الدنيا كلها ؛ ليتعجبوا من جمال البناء وروعة الفن وقمة التقدم في التصميم الهندسي، وكيف نُقلت هذه الأحجار الضخمة إلى الأماكن العليا بدون سقالات، وكيف ارتبطت الأحجار كلها مع بعضها البعض كل هذه السنوات الطويلة دون استخدام الأسمنت أو غيره من مواد التثبيت للأحجار، بل تم ذلك بتفريغ الهواء. فكيف استطاعت هذه الهندسة العجيبة أن تفرغ الهواء بين حجرين كبيرين ضخمين ؛ ليلتصقا ببعضهما التصاقا محكما بغير لاصق ولا يستطيع أحد أن يزحزحه، فإذا كانت حضارة الفراعنة قد وصلت إلى هذا الفن الهندسي باستخدام تفريغ الهواء بين أثقال ضخمة فهي حضارة راقية جدا. هذا وإن نظرت إلى فن البناء فقط، وكذلك إن نظرنا إلى تحنيط الجثت التي لا يعرف أحد سرها حتى الآن، وكيف أمكن المحافظة على المومياوات آلاف السنين دون أن تتحلل. وكذلك إذا نظرت إلى الألوان التي طليت بها المعابد والرسومات وبقيت زاهية كما هي رغم كل ذلك الزمن الطويل، وإلى الحبوب التي حُنطت وبقيت آلاف السنين دون أن يصيبها أي تلف، بل وصالحة للطعام، هذه الحضارة التي احتفظت بأسرار هذه الأشياء فلن تصل إليها البشرية حتى الآن، لابد أن تكون حضارة قوية وعالية، ولكنها رغم قوتها وعلوها لم تستطع أن تحفظ نفسها من الانهيار لتصبح أثرا وتظل آثارا.
أين ذهب صناع هذه الحضارة وقد بلغوا شأوا كبيرا وملكوا زمام الدنيا في عصرهم ؟ لابد – إذن- من وجود قوة أعلى منهم، قد دكتهم. ولماذا أتى الله بآل فرعون في هذه الآية بالاسم بينما أتى بالحضارات التي كانت قبلهم إجمالا ؟، فقال تعالى :
كَدَأْبِ آَلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ ( من الآية ٥٢ سورة الأنفال )، لأن آثار آل فرعون قد كشف الله عنها ورغَّبَ فيها البشرية كلها ؛ ليأتوا ويروا تلك الحضارة الهائلة التي لم تستطع أن تحمي نفسها، وذلك الفرعون الذي ادعى أنه إله ولم يستطع أن يضمن لنفسه البقاء. وشاء الله سبحانه أن تبقى آثار هذه الحضارة ليشاهدها الناس جميعا، ثم يروا أن الله عز وجل قد أهلك أصحابها وأصبحوا أثرا بعد عين ؛ ليعرفوا أن القوة لله جميعا، وأن الألوهية لله وحده، وأن كل شيء هالك إلا الله ؛ لذلك ذكرت حضارة آل فرعون مخصصة، وهذا الذكر لآثار قوم فرعون من إعجازات القرآن، لأنه ذكر هذه الحضارة تخصيصا ثم جاء الحق بخبر الحضارات الأخرى إجمالا، قوم نوح وعاد وإرم وثمود. وكلهم : كفروا بآيات الله ، وعرفنا أن الآيات تطلق ثلاث إطلاقات : الآيات الكونية التي تثبت وجود الخالق الأعلى مثل قوله تعالى :
ومن آياته الليل والنهار والشمس والقمر ( من الآية ٣٧ سورة فصلت ).
وكذلك المعجزات التي يؤتيها الله رسله لإثبات صدق بلاغهم عن الله مثل انشقاق البحر لموسى عليه السلام، وإبراء الأكمه والأبرص وإحياء الموتى بإذن الله لعيسى عليه السلام، ثم آيات القرآن الكريم التي هي محكم منهج الله في الأرض.
وقول الحق : كفروا بآيات الله ، نعلم منه أنهم أنكروا وجود الخالق، والأصل في الكفر هو الستر، وكفر يعني ستر. ولذلك يسمون الزارع بالمعنى اللغوي : كافر، لأنه يحضر الحب ويستره بالتراب، ويسمون الليل لغويا : كافر ؛ لأنه يستر الأشياء. والشاعر يقول :
لي فيك أجر مجاهد
إن صح أن الليل كافر
ومعنى " كفروا " أي ستروا وجود الله تعالى، إذن فالله عز وجل موجود ثابت الوجود قبل أن يستروه بالكفر ؛ لأن الإيمان أصل في وجود الخلق، والخلق قد وجدوا على الإيمان ؛ ثم جاء أناس ستروا هذا الإيمان. إذن فكلمة الكفر التي معناها الستر دليل من أدلة الإيمان، وإلا لو لم يكن الله موجودا فكيف يسترون ما ليس له وجود ؟ فإذا قال لك أحد : إنه كفر- والعياذ بالله - تقول : الكفر هو الستر، فماذا سترت ؟ لابد أنك سترت ما هو موجود، وقول الحق سبحانه وتعالى : كفروا بآيات الله
أي كفروا بآياته الكونية فلم يؤمنوا رغم الآيات الظاهرة التي تملأ الكون، وكفروا بآيات الرسل فكذبوا رسلهم رغم أنهم جاءوهم بمعجزات تخرق قوانين الحياة، ولم يصدقوا آيات الكتاب التي أنزلت من السماء لتبين لهم منهج الله تعالى :
وقوله تعالى :
كَدَأْبِ آَلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَفَرُوا بِآَيَاتِ اللَّهِ ( من الآية ٥٢ سورة الأنفال )إيجاز معبر يذكر لك لماذا أخذهم الله بذنوبهم :
فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ شَدِيدُ الْعِقَابِ د( من الآية ٥٢ سورة الأنفال )
والأخذ في قوله تعالى : فأخذهم كان بسبب ما ارتكبوه من ذنوب وإفساد في الأرض. والإنسان حين يجد سوءا يحيط به وعذابا أليما يأتيه فهو يحاول أن يفرّ منه، ولذلك يقول الحق سبحانه وتعالى في آية أخرى : أخذ عزيز مقتدر ( من الآية ٤٢ سورة القمر ).
أي أن قدرة الله تعالى تمسك الكافر مسكة محكمة فلا يستطيع فرارا أو هروبا.
وقوله سبحانه وتعالى :
إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ شَدِيدُ الْعِقَابِ د( من الآية ٥٢ سورة الأنفال ) : أي أن الله أقوى من كل ما تصنعون في كونه، وعقابه تعالى شديد وأليم. ونعلم أن العقاب لا يعم الناس إلا بقدر ذنوبهم، فليس معنى أن الله شديد العقاب أن تصيب شدة العذاب من فعل ذنبا بسيطا، ولكن لكل جزاؤه على قدر ذنبه، وهذا العقاب مهما كان بسيطا فهو شديد أليم ؛ لأن العقاب من الله إنما يحدث بقدرات الله ؛ فمهما كان بسيطا فهو شديد أليم، وقول الحق سبحانه وتعالى : فأخذهم الله بذنوبهم
هذا القول لا يدخل في الجبرية التي يقول عنها الشاعر :
ألقاه في اليم مكتوفا وقال له
إياك إياك أن تبتل بالماء
ويخطئ من يظن أن الله قد كتب جبرا على لسان أن يكون كافرا ثم يلقى به في نار جهنم، لا ؛ لأن مثل هذا الأمر يتنافى مع عدالة الله سبحانه وتعالى، فأنت أيها الإنسان مخير بين الطاعة والمعصية، بين الإيمان وبين الكفر. وعلى هذا نفهم قول الحق :
فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ ( من الآية ٥٢ سورة الأنفال ) : أي بسبب ذنوبهم، ومادام الحق تبارك وتعالى قد توعدهم بعقاب شديد فهذا دليل على شدة ظلمهم.
ثم يعطينا الحق سبحانه وتعالى الحيثية لذلك فيقول تعالى :
ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ( ٥٣ ) .
تفسير الشعراوي
الشعراوي