ﮃﮄﮅﮆﮇﮈﮉﮊﮋﮌﮍﮎ

ثم زاده بيانا وإيضاحا بقوله : الذين عهدت منهم [ الأنفال : الآية ٥٦ ] ف الذين بدل من الذين قبله. قال بعض العلماء : قوله : الذين عهدت منهم إنما جيء ب ( من ) لأنه مضمن معنى : أخذت منهم العهود. قال بعض العلماء :( من ) تبعيضه ؛ لأنهم وإن كانوا كفرة كلهم فهم شر الدواب، إلا أن العهد إنما مع رؤسائهم الذين لهم العقد و الحل، وبذلك الاعتبار دخلت ( من ) التبعيضية.
الذين عهدت منهم المقرر في فن التصريف : أن كل فعل جاء على وزن ( فاعل ) كقوله هنا عهدت منهم أو على وزن ( تفاعل ) إنه يقتضي اشتراك المصدر بين فاعلين ١. فمعنى عهدت أخذت عليهم العهد وأخذوا عليك العهد ؛ لأن ( فاعل ) تقتضي الطرفين.
والعهد : كل شيء مؤكد لا يجوز نقضه تسميه العرب عهدا. والميثاق : العهد المؤكد. الذين عهدت منهم وهم يهود بني قريظة ألا يحاربوك وألا يعاونوا عليك محاربا آخر ثم بعد هذا العهد المؤكد ينقضون عهدهم قال بعض العلماء :( ثم ) هنا للاستبعاد ؛ لأنه يستبعد من العاقل الذي عنده عقله أن يجعل على نفس العهود والمواثيق المؤكدة ثم ينقض
ذلك ؛ لأن هذا الفعل خسيس قبيح يستبعد من العقلاء. وقد تقرر في كلام العرب وفي القرآن لفظة ( ثم ) التي هي للانفصال والتراخي قد تأتي للاستبعاد، كقوله تعالى : الحمد لله الذي خلق السموات والأرض وجعل الظلمات والنور [ الأنعام : الآية ١ ] لأن من خلق السماوات والأرض وخلق الظلمات والنور يستبعد كل الاستبعاد أن يجعل له عديل ونظير، لذا قال : ثم الذين كفروا بربهم يعدلون [ الأنعام : الآية ١ ] أي : يجعلون له عدلا ونظيرا. تقول : عدلت به إذا جعلت له عدلا ونظيرا، ومنه قول جرير ٢ :

أثعلبة الفوارس أو رياحا عدلت بهم طهية والخشابا
ف ( ثم ) للاستبعاد، ومن شواهد إتيان ( ثم ) للاستبعاد قول الشاعر ٣ :
ولا يكشف الغماء إلا ابن حرة يرى غمرات الموت ثم يزورها
لأن زيارة غمرات الموت بعد معاينتها من الأمور المستبعدة.
ثم ينقضون عهدهم نقض العهد هو عدم الوفاء به ونكثه عهدهم في كل مرة كما نقضوا في المرة الأولى حيث أعانوا كفار مكة بالسلاح، ونقضوا في المرة الثانية حيث صاروا مع الأحزاب على النبي وأصحابه صلى الله عليه وسلم ورضي عنهم. وهذا معنى قوله : ثم ينقضون عهدهم في كل مرة وهم لا يتقون لا يتقون الله ( جل وعلا ) فيجترئون على نقض العهود وعلى كل جريمة، ليس لهم تقوى من الله تحملهم على امتثال أمره واجتناب نهيه – وهذه العياذ بالله – أمور قبيحة حيث كانوا شر الدواب، وكانوا كافرين، ولا يؤمنون، وينقضون العهود، ولا يتقون الله، فهذا منتهى الذم – والعياذ بالله – هذا معنى قوله : وهم لا يتقون [ الأنفال : الآية ٥٦ ].
١ مضى عند تفسير الآية (٥١) من سورة البقرة..
٢ مضى عند تفسير الآية (١٠١) من سورة الأنعام..
٣ مضى عند تفسير الآية (٧٤) من سورة البقرة..

العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير

عرض الكتاب
المؤلف

الشنقيطي - العذب النمير

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير