ثم يقول الحق تبارك وتعالى بعد ذلك :
الَّذِينَ عَاهَدْتَ مِنْهُمْ ثُمَّ يَنْقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ وَهُمْ لاَ يَتَّقُونَ ( ٥٦ ) :
وبعد أن تكلم الحق سبحانه وتعالى عن الكافرين الذين حاربوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، ينتقل هنا للكلام عن الجماعة التي عاهدت رسول الله صلى الله عليه وسلم على أن يكفوا عنه شرهم، وألا يتعرض لهم الرسول، وهو اليهود، فهل ظلوا على وفائهم بالعهد ؟ لا. بل نقضوا العهد.
بنو قريظة -مثلا- عاهدوا رسول الله صلى الله عليه وسلم على ألا يعينوا عليه أحدا، ولما جاءت موقعة بدر مدوا الكفار بالسلاح ونقضوا العهد، ثم عادوا وأعطاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم عهدا ثانيا، وعندما جاءت غزوة الخندق اتفقوا على ألا يدخل جنود قريش من المنطقة التي يسيطرون عليها ليضربوا جيش المسلمين من الخلف في ظهره، فأرسل رسول الله ريحا بددت شمل الكفار، إذن فقول الحق سبحانه وتعالى :
الَّذِينَ عَاهَدْتَ مِنْهُمْ ثُمَّ يَنْقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ ( من الآية ٤٦ سورة الأنفال )، وهم قد فعلوا ذلك ؛ لأنهم تركوا منهج الله وخافوا من رسول الله فحاولوا أن يخدعوه بنقض المعاهدات.
وقوله تعالى : وهم لا يتقون ، إنهم لا يتقون الله –عز وجل- الذي يؤمنون به إلها ؛ لأنهم أهل كتاب ؛ جاءتهم التوراة، وجاءهم رسول وهو موسى عليه السلام، وهم ليسوا جماعة لم يأتها كتاب بل نزل عليهم كتاب سماوي هو التوراة، ومع ذلك لا يتبعون ما في كتابهم ولا يتقون الله تعالى، فهم أولا ينقضون العهد، والنقض ضد الإبرام، والإبرام هو أن تقوي الشيء تماما كما تبرم الخيط أي تقويه، وعندما تقوي الخيط فأنت تجعله ملفوفا على بعضه ليصبح متينا. فالخيط الذي طوله شبران عندما تبرمه يصبح طوله شبرا واحدا ويصبح قويا، فإذا فككته أي نقضته أصبح ضعيفا، ولذلك يقول المولى سبحانه وتعالى :
ولا تكونوا كالتي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثا ( من الآية ٩٢ سورة النحل )
ويعطينا الحق سبحانه وتعالى الحكم في هؤلاء، أولئك الذين لا يؤمنون، ولا يتقون وينقضون عهدهم ؛ فيأتي فيهم القول الحق :
فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ ( ٥٧ ) .
تفسير الشعراوي
الشعراوي