ﮫﮬﮭﮮﮯﮰﮱﯓﯔ

وقوله جل وعلا : ولا يحسبن الذين كفروا سبقوا إنهم لا يعجزون ( ٥٩ ) [ الأنفال : الآية ٥٩ ] في هذا الحرف ثلاث قراءات سبعية (١) : قرأه نافع وابن كثير وأبو عمرو والكسائي : ولا تحسبن الذين كفروا بالتاء الفوقية وكسر السين من ( تحسين ). وقرأه عاصم في رواية شعبة وحده أعني أبا بكر : ولا تحسبن بالتاء الفوقية للمخاطب وفتح سين ( تحسبن )، وقرأه ابن عامر وحمزة وعاصم في رواية حفص : ولا يحسبن بياء الغيبة التحتية وفتح سين ( يحسبن ).
أما على قراءة نافع وابن كثير وأبي عمرو والكسائي : ولا تحسبن وقراءة شعبة : لا تحسبن فالآية الكريمة لا إشكال فيها، وكلا القرائتين واضح لا إشكال فيه ولا كلام.
أما قراءة ابن كثير (٢) وحمزة وحفص عن عاصم : ولا يحسبن بالياء، فهذه القراءة أصلها مشكلة، ومعناها مشكل (٣). وتجرأ أقوام جراءة لا تليق – وإن كان فيهم معرفة وعلم وجلالة كأبي حاتم وأبي عبيد، حتى ابن جرير رحمه الله – وأنكروا هذه القراءة، وقالوا : إنها بعيدة من كلام العرب، وأنها لا وجه لها من الفصاحة، كما أنكر ابن جرير وغيره قراءة ابن عامر : أهم لا يعجزون [ الأنفال : الآية ٥٩ ] – بفتح همزة ( أن ) -.
والتحقيق أن قراءة ابن عامر : يحسبن بالياء، و أنهم لا يعجزون بفتح الهمزة، وقراءة حمزة وحفص عن عاصم : يحسبن وقراءة : إنهم كلها قراءات سبعيات فصيحة متواترة عن النبي صلى الله عليه وسلم لا وجه للطعن فيها.
أما على قراءة من قرأ : ولا تحسبن الذين كفروا فاعلموا أولا أن ( حسب ) بكسر السين في مضارعها لغتان فصيحتان وقراءتان سبعيتان في جميع القرآن :( حسب يحسب، وحسبت تحسب ). بفتح السين على القياس، ( حسب يحسب ) بكسر السين على السماع لا على القياس، وهما لغتان فصيحتان مستفيضتان وقراءتان سبعيتان.
فقراءة شعبة عن عاصم لا فرق بينها وبين قراءة نافع وابن كثير وأبي عمرو والكسائي، وإنما الفرق بين قراءة التاء وقراءة الياء. أما على القراءة بتاء الخطاب فمعنى الآية واضح لا إشكال فيه، والحسبان في لغة العرب : الظن. والمعنى : لا تظن يا نبي الله الذين كفروا سبقوا. ف ( الذين ) في محل المفعول الأول، وجملة ( سبقوا ) في محل المفعول الثاني، و( سبقوا ) معناه : غلبوا وفاتوا، فكل شيء فاتك ولم تدركه وعجزت عنه تقول العرب : سبقك. ومنه قوله تعالى : وما نحن بمسبوقين ( ٦٠ ) على أن نبدل أمثلكم [ الواقعة : الآيتان ٦٠، ٦١ ] لسنا بمغلوبين ولا معجزين عن أن نبدل أمثالكم. أي : لا تظنن يا نبي الله الذين كفروا سبقوا، لا تظنن الكفار فائتين سابقين يعجز عنهم ربهم ( جل وعلا )، لا وكلا إنهم لا يعجزون ولا يسبقون، فهم تحت قهره وقدرته وسلطته يفعل فيهم كيف يشاء، ولا يسبقونه ولا يفوتونه، كما قال تعالى : أم حسب الذين يعملون السيئات أن يسبقونا [ العنكبوت : الآية ٤ ] أي : يفوتوننا ويعجزوننا، لا ساء ما يحكمون [ العنكبوت : الآية ٤ ]، وكذلك قراءة شعبة عن عاصم : ولا تحسبن الذين كفروا هي معناها وهذه القراءة واحد.
أما على القراءة الأخرى : ولا يحسبن الذين كفروا سبقوا فتفسير الآية مشكل ؛ لأنه لا يدري أين مفعولا ( حسب )، ولا يدرى الفاعل أين هو ؟ !
وللعلماء فيها أقوال متقاربة لا يكذب بعضها بعضا :
قال بعض العلماء : هذه الآية الكريمة حذفت منها ( أن ) المصدرية، حذف ( أن ) المصدرية إذا دل المقام عليها أسلوب عربي معروف موجود في القرآن وفي كلام العرب. قالوا : من أمثلته في القرآن قوله تعالى : ومن ءايته يريكم البرق [ الروم : الآية ٢٤ ] الأصل. : ومن آياته أن يريكم البرق. ونظيره من كلام العرب قول طرفة بن العبد في معلقته (٤) :
ألا أيهذا الزاجري أحضر الوغى.............................
ويروى :
ألا أيهذا الزاجري أحضر الوغى *** وأن أشهد اللذات هل أنت ممخلدي
قالوا : الأصل : ولا يحسبن الذين كفروا أن سبقوا. قالوا : بمعنى : أنهم سبقوا. فيصير المفعولان في قوله : " أن سبقوا " لا يظنوا أنفسهم سابقين، أي : فائتين معجزين ربهم. قالوا : وغاية ما في هذا حذف ( أن )، وهو موجود في القرآن وفي كلام العرب.
وقال بعض العلماء : ضمير الفاعل يعود إلى النبي صلى الله عليه وسلم بدلالة أن ضمير الفاعل في الخطاب واقع عليه، أي : لا تحسبن أنت يا نبي الله، ولا يحسبن هو، أي : نبي الله، لا يحسبن الذين كفروا سبقوا. ومعلوم أنه لا يحسب ذلك ولكنه ينهى ليشرع على لسانه لغيره كما قيل له : لا تجعل مع الله إلها ءاخر [ الإسراء : الآية ٢٢ ] ولا تجعل يدك مغلولة [ الإسراء : الآية ٢٩ ] ونحو ذلك من الأشياء التي هو لا يفعلها، ولا تطع منهم ءاثما أو كفورا [ الإنسان : الآية ٢٤ ] وعلى هذا القول فتكون قراءة التاء قرينة دالة على الفاعل ؛ لأن الفاعل في قراءة التاء لا تحسبن أنت يا نبي الله. فيكون المعنى في قراءة الياء : ولا يحسبن هو أي : نبي الله، لا يظنن الذين كفروا سبقوا. أي : فاتوا وعجز عنهم ربهم سبحانه عن ذلك. وعلى هذا القول ف ( الذين ) في محل المفعول الأول، و( سبقوا ) في محل المفعول الثاني.
وقال بعض العلماء :( الذين ) في محل رفع على الفاعل، وأحد المفعولين محذوف. قالوا : المعنى : لا يحسبن الذين كفروا أنفسهم سبقوا. أي : لا يظنون أنفسهم سابقين، قالوا : وربما حذف المفعول كما حذف في قوله : إنما ذلكم الشيطن يخوف أولياءه [ آل عمران : الآية ١٧٥ ] أصله : يخوفكم أولياءه لكن ( حسب ) و ( خوف ) ليسا من باب واحد ؛ لأنه ( حسب ) تنصب المبتدأ والخبر، و( خوف ) لا تنصب المبتدأ والخبر بل مفعولاها أصلهما ليسا بمبتدأ وخبر.
وقال بعض العلماء : لا يحسبن الكفار الذين كفروا سبقوا.
هذه الأقوال في هذه الآية الكريمة وفي نظيرتها في سورة النور على قراءة الياء. وهذا معنى قوله : ولا يحسبن الذين كفروا سبقوا .
إنهم لا يعجزون قرأ هذا الحرف عامة السبعة غير ابن عامر : إنهم لا يعجزون وقرأه ابن عامر أنهم لا يعجزون بفتح الهمزة (٥).
وكان كبير المفسرين أبو جعفر ابن جرير الطبري ( رحمه الله ) يقول : إن قراءة ابن عامر هذه لا وجه لها (٦). والكمال لله، لأن قراءة ابن عامر – رحمه الله – وجهها ظاهر جدا ؛ لأنها تطابق قراءة الجمهور في المعنى، إلا أن قراءة ابن عامر أظهر في المعنى وإن خفي ذلك على الإمام ابن جرير ( رحمه الله ) ؛ لأن الكمال والعلم لله وحده.
والحاصل أنه قد تقرر في الأصول في مسلك ( الإيماء والتنبيه ) (٧) أن من الحروف الدالة على التعليل، ( إن ) المكسورة المشددة، تقول : اضربه إنه مسيء. أي : اضربه لعلة إساءته، أكرمه إنه محسن. أي : أكرمه لعلة إحسانه. ف ( إن ) من حروف التعليل. وعلى قراءة الجمهور ف ( إن ) المكسورة دلت على التعليل. لا تظننهم سابقين فائتين معجزين ربهم، لا وكلا إنهم لا يعجزون لا يعجزون ربهم ألبتة، فيكون النهي عن قوله : ولا يحسبن الذين كفروا سبقوا لأجل أنهم لا يعجزون أبدا، فلا يخطر في قلبك ذلك الحسبان الباطل.
أما على قراءة ابن عامر : أنهم لا يعجزون ف ( أن ) قد تقرر في علم النحو أن المصدر المنسبك من ( أن ) وصلتها و ( أن ) وصلتها يجوز جره بحرف محذوف بقياس مطرد (٨). فالأصل : لا تحسبن الذين كفروا سبقوا ؛ لأنهم لا يعجزون. غاية ما في الباب حذف حرف الجر قبل المصدر المنسبك من ( أن ) وصلتها، وهو واضح مطرد لا إشكال فيه، وقد عقد اطراده ابن مالك في خلاصته بقوله (٩) :
............................... *** وإن حذف فالنصب للمنجر
نقلا وفي ( أن )و ( أن ) يطرد *** مع أمن لبس كعجبت أن يدو
فقراءة ابن عامر دالة على التعليل الذي دلت عليه قراءة الجمهور بقياس عربي واضح مطرد لا إشكال في، وهذا معنى قوله : ولا يحسبن الذين كفروا سبقوا إنهم لا يعجزون ( ٥٩ ) ( يعجزون ) مضارع ( أعجز )، أعجزه " إذا صيره عاجزا عنه، فكل شيء غلبك ولم تقدر عليه تقول العرب : أعجزك وسبقك وفاتك. بمعنى واحد ولا يحسبن الذين كفروا سبقوا إنهم لا يعجزون ربهم. أو : لأنهم لا يعجزون ربهم، بل ربهم قادر عليهم كما قال تعالى : واعلموا أنكم غير معجزى الله وأن الله مخزي الكفرين [ التوبة : الآية ٢ ] وهذا معنى قوله : ولا يحسبن الذين كفروا سبقوا إنهم لا يعجزون ( ٥٩ ) [ الأنفال : الآية ٥٩ ].

١ انظر: السبعة ص ٣٠٧..
٢ سبق لسان، والصواب: ابن عامر..
٣ انظر: حجة القراءات ص ٣١٢، ابن جرير (١٤/ ٢٨)، القرطبي (٨/ ٣٣) الدر المصون (٥/ ٦٢٣)..
٤ شرح القصائد المشهورات (١/ ٨٠)..
٥ انظر: المبسوط لابن مهران ص ٢٢٢..
٦ تفسير ابن جرير (١٤/ ٢٨)..
٧ جرى الأصوليون على اعتبار (إن ضمن مسالك النص، وبعضهم يعتبرها من قبيل النص الصريح، ويرى آخرون أنها من قبيل النص غير الصريح (الظاهر).
انظر: شرح الكوكب المنبر (٤/ ١١٩)، نثر الورود (٢/ ٤٨٠)، مباحث العلة في القياس عند الأصوليين ص ٣٥٥..

٨ مضى عند تفسير الآية (٦٧) من سورة البقرة..
٩ السابق..

العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير

عرض الكتاب
المؤلف

الشنقيطي - العذب النمير

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير