ﯹﯺﯻﯼﯽﯾﯿﰀﰁﰂﰃﰄﰅﰆ

قوله تعالى : وَإِن جَنَحُواْ لِلسَّلْمِ فاجنح لَهَا الآية.
لمَّا بيَّن ما يهرب به العدو من القوة، بيَّن بعده أنَّهم عند هذا الإرهاب إذا مالوا إلى المصالحة، فالحكمُ قبولُ المصالحِة، والجنوحُ : المَيْلُ، وجَنَحَتِ الإبلُ : أمالت أعناقها ؛ قال ذو الرُّمَّةِ :[ الطويل ]

إذَا مَاتَ فوقَ الرَّحْلِ أحْيَيْتِ رُوحَهُ بِذكْراكِ والعِيسُ المَراسِيلُ جُنَّحُ١
يقال : جَنَحَ اللَّيْلُ : أقْبَلَ.
قال النضرُ بن شميلٍ :" جنح الرَّجلُ إلى فلانٍ، ولفلان : إذا خضع له " والجُنُوح الاتِّباع أيضاً لِتضمُّنه الميل ؛ قال النَّابغة - يصفُ طيراً يتبع الجيش :[ الطويل ]
جَوَانِحُ قَدْ أيْقَنَّ أنَّ قبيلهُ إذا ما التقَى الجَمْعَانِ أوَّلُ غَالِب٢
ومنه " الجَوانِحُ " للأضلاع، لميلها على حشوة الشخص، والجناح من ذلك، لميلانه على الطَّائر، وقد تقدَّم الكلامُ على بعض هذه المادة في البقرة.
قوله " لِلسَّلْمِ " تقدَّم الكلام على " السلم " في البقرة، وقرأ أبو بكر٣ عن عاصم هنا بكسر السين، وكَذا في القتال : وتدعوا إِلَى السلم ، ووافقه حمزة ما في القتال و " لِلسَّلْم " متعلق ب " جَنَحُوا.
فقيل : يتعدَّى بها، وب " إلى ".
وقيل : هنا بمعنى " إلى ". وقرأ الأشهبُ٤ العقيليُّ :" فاجْنُحْ " بضمِّ النُّون، وهي لغة قيس، والفتح لغة تميم.
والضمير في " لها " يعود على " السلم " ؛ لأنَّها تذكَّرُ وتُؤنث ؛ ومن التَّأنيث قوله [ المتقارب ].
وأقْنَيْتُ لِلْحربِ آلاتِهَا وأعْدَدْتُ للسِّلْمِ أوزارَها٥
وقال آخر :[ البسيط ]
السِّلْمُ تأخُذُ مِنْهَا ما رضيتَ بِهِ والحَرْبُ يَكْفيكَ منْ أنْفَاسِهَا جُرَعُ٦
وقيل : أثبت الهاء في " لها " ؛ لأنَّهُ قصد بها الفعلة والجنحة، كقوله : إِنَّ رَبَّكَ مِن بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ [ الأعراف : ١٥٣ ] أراد : من بعد فعلتهم.
وقال الزمخشريُّ :" السِّلْمُ تُؤنَّث تأنيث نقيضها، وهي الحربُ ". وأنشد البيت المتقدم : السِّلم تأخذ منها.

فصل


قال الحسنُ وقتادةُ : هذه الآية نسخت بقوله : فاقتلوا المشركين [ التوبة : ٥ ].
وقوله قَاتِلُواْ الذين لاَ يُؤْمِنُونَ بالله [ التوبة : ٢٩ ].
وقال غيرهما : ليست منسوخة ؛ لكنها تتضمَّنُ الأمر بالصُّلح إذا كان الصلاح فيه، فإذا رأى مصالحتهم، فلا يجوز أن يهادنهم سنة كاملة وإن كانت القوة للمشركين جاز مهادنتهم عشر سنين، ولا يجوز الزيادة عليها اقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم، فإنه هادن أهل مكَّة عشر سنين، ثم إنهم نقضُوا العهد قبل كمال المُدَّة.
وقوله وَتَوَكَّلْ عَلَى الله أي : فوِّض الأمر فيما عقدته معهم إلى الله.
إِنَّهُ هُوَ السميع العليم نبَّه بذلك على الزَّجر عن نقض العهد ؛ لأنَّهُ عالم بما يضمر العبد سميع لما يقوله.
قال مجاهدٌ :" نزلت في قريظة والنضير " وورودها فيهم لا يمنع من إجرائها على ظاهر عمومها٧.
١ البيت في ديوانه ٢/١٢١٥ اللسان [جنح] تفسير القرطبي ٨/٣٩ البحر المحيط ٤/٥٠٩ الدر المصون ٣/٤٣٣..
٢ البيت في ديوانه ص ١٠ وتفسير الطبري ١٤/٤٠ القرطبي ٨/٣٩ البحر المحيط ٤/٥٠٩ الدر المصون ٣/٤٣٣..
٣ وقرأ بها أيضا شعبة.
ينظر: السبعة ص (٣٠٨)، الحجة ٤/١٥٨، حجة القراءات ص (٣١٢) إعراب القراءات ١/٢٣٠، إتحاف ٢/٨٢..

٤ ينظر: المحرر الوجيز ٢/٥٤٨، البحر المحيط ٤/٥٠٩، الدر المصون ٣/٤٣٣..
٥ البيت من شواهد البحر ٤/٥٠٩ الدر المصون ٣/٤٣٣..
٦ البيت للعباس بن مرداس ينظر: ديوانه (٨٦) الخزانة ٤/١٨ إصلاح المنطق ٣٠ والرازي ١٥/١٨٧ حاشية الشيخ يس ٢/٢٨٦..
٧ أخرجه الطبري في "تفسيره" (٦/٢٧٩) وذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٣/٣٥٩) وعزاه إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم..

اللباب في علوم الكتاب

عرض الكتاب
المؤلف

أبو حفص سراج الدين عمر بن علي بن عادل الحنبلي الدمشقي النعماني

تحقيق

عادل أحمد عبد الموجود

الناشر دار الكتب العلمية - بيروت / لبنان
سنة النشر 1419 - 1998
الطبعة الأولى، 1419 ه -1998م
عدد الأجزاء 20
التصنيف التفسير
اللغة العربية