يقول الله جل وعلا : وإن جنحوا للسلم فاجنح لها وتوكل على الله إنه هو السميع العليم ( ٦١ ) وإن يريدوا أن يخدعوك فإن حسبك الله هو الذي أيدك بنصره وبالمؤمنين ( ٦٢ ) وألف بين قلوبكم لو أنفقت ما في الأرض جميعا ما ألفت بين قلوبهم ولكن الله ألف بينهم إنه عزيز حكيم ( ٦٣ ) [ الأنفال : الآيات ٦١ - ٦٣ ].
قرأ هذا الحرف عامة القراء السبعة غير عاصم في رواية شعبة أبي بكر : وإن جنحوا للسلم بفتح السين. وقرأه شعبة عن عاصم : وإن جنحوا للسلم ١٤.
و ( السلم ) بفتح السين و ( السلم ) بكسرها لغتان فصيحتان، وقراءتان سبعيتان صحيحتان، والمراد بالسلم : الصلح. العرب تسمي الصلح : سلما، وسلما. وربما سمتها :( سلاما ).
والجنوح في لغة العرب : الميل، تقول العرب : جنح فلان إلى كذا، وجنح له : أي : مال إليه، وهو معنى معروف في كلام العرب، ومنه قول غيلان ذي الرمة ١٥ :
| إذا مات فوق الرحل أحييت روحه | بذكراك والعيس المراسيل جنح |
معناها : إن مال الكفار يا نبي الله إلى السلم وودوها وطلبوها فاجنح لها. أي : وافقهم في ذلك، ومل إلى السلم وصالحهم وسالمهم كما طلبوا ذلك منك.
و ( السلم ) مؤنثة في اللغة الفصحى، كالحرب فهي مؤنثة أيضا، ومنه قول العباس بن مرداس ١٦ :
| السلم تأخذ منها ما رضيت به | والحرب تكفيك من أنفاسها جرع |
وكان بعض العلماء يزعم أن هذه الآية من سورة الأنفال بينها وبين آية القتال تعارض أو إشكال ١٧، والحق أنه لا تعارض بينهما ؛ لأن آية الأنفال هذه قيدت أمر النبي صلى الله عليه وسلم بجنوحه إلى السلم بأن يكون الكفار هم الذين جنحوا إليه أولا وطلبوه ومالوا إليه. أما آية سورة القتال –سورة محمد – فهي لا تعارض هذا ؛ لأن الله نهاهم فيها عن ابتداء طلب الصلح، وذلك لا ينافي إجابة الكفار إليه بعد أن طلبوه. ونعني بالآية المذكورة : قوله تعالى : فلا تهنوا وتدعوا إلى السلم وأنتم الأعلون والله معكم [ محمد : الآية ٣٥ ] لأن آية القتال فيها النهي عن أن يكونوا هم البادئين بالدعاء إلى الصلح ؛ لأن الداعي إلى الصلح يظهر من قرينه حاله أنه كأنه خائف، وأنه يحس بالغلبة فيريد الصلح. أما القوي الآمن الذي لا يظن أنه مغلوب فلا داعي له إلى طلب الصلح. فلا معارضة بين الآيتين. وهذا معنى قوله : وإن جنحوا للسلم أي : إن مال الكفار إلى الصلح فاجنح لها.
أما قراءة : فاجنح لها فهي شاذة وليست من القراءات السبعية ١٨. أي : فمل إليها ووافقهم على ذلك وتوكل على الله يعني : إن صالحتهم فلا تخف مما يدبرون لك من المكر والغدر والحيل في مدة تلك المصالحة، لا تهتم بذلك وتوكل على الله ثق إليه، وفوض إليه جميع أمورك، فإنه ( جل وعلا ) يكفيك ومن يتوكل على الله فهو حسبه [ الطلاق : الآية ٣ ] وهذا معنى قوله : فاجنح لها وتوكل على الله إنه أي : الله هو السميع لما يقولونه من المنكر والغوائل التي يتربصونك بها في مدة الصلح العليم بكل ما يبطنون ويضمرون من المكر والخديعة والحيل أثناء المدة التي صالحتهم فيها، فهو ( جل وعلا ) لا يفوته شيء مما قالوا ولا مما عملوا، فهو مطلع عليه وكافيكهم، لا تهتم بذلك، واجعل ثقتك بالله وتوكلك عليه، فإنه يكفيك.
واعلم أن جماعة من العلماء من الصحابة فمن بعدهم زعموا أن هذه الآية من سورة الأنفال منسوخة بآية السيف النازلة في براءة ١٩ ؛ لأنها نازلة بعدها ؛ لأن براءة نزلت في رجوع النبي صلى الله عليه وسلم من غزوة تبوك، وذلك العام عام تسع بلا خلاف، لم يعش النبي صلى الله عليه وسلم بعده إلا سنة واحدة، وسورة الأنفال هذه نزلت في وقعة بدر، وكانت في العام الثاني من الهجرة كما أوضحناه. قالوا : فهي منسوخة بآية السيف، كقوله : فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم وخذوهم واحصروهم واقعدوا لهم كل مرصد [ التوبة : الآية ٥ ].
والتحقيق أن هذه الآية ليست منسوخة، وأن المصالحة والمهادنة لم تنسخ، وأن الإمام يخير وينظر في مصالح المسلمين، فإن رأى المصلحة في الصلح حتى يتقوى المسلمون فيجتمع شملهم ويقدروا على القتال صالح، وإن رأى المصلحة في عدم الصلح لم يصالح، فالكل واسع وجائز إن شاء الله. وهذا معنى قوله : وإن جنحوا للسلم فاجنح لها وتوكل على الله إنه هو السميع العليم ( ٦١ ) [ الأنفال : الآية ٦١ ].
العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير
الشنقيطي - العذب النمير