ﯹﯺﯻﯼﯽﯾﯿﰀﰁﰂﰃﰄﰅﰆ

على أن الحق سبحانه وتعالى يريدنا أن نأخذ طريق العدل وليس طريق الافتراء ؛ لذلك يطلب منا ألا يطغينا هذا الاستعداد للحرب على خلق الله، فمادام لدينا استطاعة وأعددنا قوتنا وأسلحتنا فليس معنى ذلك أن نصاب بالغرور ونجترئ على خلق الله ؛ ولهذا فإن الله عز وجل ينبهنا إلى ذلك بقوله :
وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ( ٦١ ) .
أي أن الله لم يطالبنا بأن نكون أقوياء لنفتري على غيرنا، فهو لا يريد منا إعداد القوة للاعتداء والعدوان، وإنما يريد القوة لمنع الحرب ليسود السلام ويعم الكون ؛ لذلك ينهانا سبحانه وتعالى أن يكون استعدادنا للقتال وسيلة للاعتداء على الناس والافتراء عليهم. ولهذا فإن طلب الخصم السلم والسلام صار لزاما علينا أن نسالمهم. وإياك أن تقول : إن هذه خديعة وإنهم يريدون أن يخدعونا ؛ لأنك لا تحقق شيئا بقوتك، ولكن بالتوكل على الله عز وجل والتأكد أنه معك، والله عز وجل يريد الكون متساندا لا متعاندا. وهو سبحانه وتعالى يطلب منك القوة لترهب الخصوم. لا لتظلمهم بها فتقاتلهم دون سبب. وقول الحق سبحانه وتعالى :
وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا ( من الآية ٦١ سورة الأنفال ) : أي إن مالوا إلى السلم ودعوك إليه فاتجه أنت أيضا إلى السلم، فلا داعي أن تتهمهم بالخداع أو تخشى أن ينقلبوا عليك فجأة ؛ لأن الله تعالى معك بالرعاية والنصر، وأنت من بعد ذلك تأخذ استعدادك دائما بما أعددته من قوتك.
وقول الحق : وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ ( من الآية ٦١ سورة الأنفال ) : أ ي إياك أن تتوكل أو تعتمد على شيء مما أعددت من قوة ؛ لأن قصارى الأمر أن تنتهي فيه إلى التوكل على الله فهو يحميك. ثم يعطينا الحق سبحانه وتعالى حيثية ذلك فيقول :
إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ( من الآية ٦١ سورة الأنفال ) : أي أنه لا شيء يغيب عن سمعه إن كلاما يقال، أو عن علمه إن كان فعلا يتم. وإياك أن تخلط بين التوكل والتواكل، فالتوكل محله القلب والجوارح تعمل ؛ فلا تترك عمل الجوارح وتدعي أنك تتوكل على الله، وليعلم المسلم أن الانتباه واجب، وإن رأيت من يفقد يقظته لابد أن تنبهه إلى ضرورة اليقظة والعمل، فالكلام له دور هنا، وكذلك الفعل له دور ؛ لذلك قال الله سبحانه وتعالى :
إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ( من الآية ٦١ سورة الأنفال )
ولنلحظ أن قول الله تبارك وتعالى :
وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ( ٦١ ) ( سورة الأنفال )
هذا القول إنما جاء بعد قوله تعالى :
وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ ( من الآية ٦٠ سورة الأنفال )
وهي آية تحض على الاستعداد للقتال بإعداد العدة له.
ويريد الحق تبارك وتعالى أن ينبهنا إلى أن قوة المؤمنين واستعدادهم الحربي يجب ألا يكونا أداة للطغيان، ولا للقتال لمجرد القتال. ولذلك ينبهنا سبحانه وتعالى على أنهم لو مالوا إلى السلم فلا تخالفهم وتصر على الحرب ؛ لأن الدين يريد سلام المجتمع، والإسلام ينتشر لا بالقوة وإنما ينتشر بالإقناع والحكمة. فلا ضرورة للحرب في نشر الإسلام ؛ لأنه هو دين الحق الذي يقنع الناس بقوة حجته ويجذب قلوبهم بسماحته، وكل ذلك لشحن مدى قوة الإيمان، لنكون على أهبة الاستعداد لملاقاة الكافرين، ولكن دون أن تبطرنا القوة أو تدعونا إلى مجاوزة الحد، فإن مالوا إلى السلم، علينا أن نميل إلى السلم ؛ لأن الله سبحانه وتعالى يريد سلامة المجتمع الإنساني. وإن كنتم تخافون أن يكون جنوحهم إلى السلم خديعة منهم حتى نستنيم لهم، ثم يفاجئونا بغدر، فاعلم أن مكرهم سوف يبور، لأنهم يمكرون بفكر البشر، والمؤمنون يمكرون بفكر من الحق سبحانه وتعالى ؛ لذلك يقول الحق تبارك وتعالى :
وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ ( ٦٢ ) .

تفسير الشعراوي

عرض الكتاب
المؤلف

الشعراوي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير