قال ابن عباس: يريد: يخلف لكم (١)، والمعنى: يوفر لكم أجره، أي: لا يضيع لكم عند الله أجره في الآخرة وعاجل خلفه في الدنيا.
وقوله تعالى: وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ، قال ابن عباس: يريد: لا تنقصون من الثواب، وتلا قوله: آتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا [الكهف: ٣٣] (٢).
٦١ - قوله تعالى: وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا الآية، قال النضر: جنح الرجل إلى فلان وجنح له: إذا تابعه وخضع له (٣)، والرجل يجنح: إذا أقبل على الشيء يعمله بيده، وأنشد قول لبيد:
| جنوح الهالكيّ على يديه | مكبًا يجتلي (٤) نقب النصال (٥) |
(٢) ذكره الرازي في "تفسيره" ١٥/ ١٨٧.
(٣) إلى هنا انتهى قول النضر بن شميل فيما نقله عنه الأزهري، وقد نقله الواحدي بمعناه، ونصه: جنح الرجل إلى الحرورية، وجنح لهم: إذ تابعهم وخضع لهم اهـ. وقد نسب الأزهري ما بعده مع الاستشهاد بالبيت المذكور إلى الليث، وهو بنصه في كتاب "العين" (جنح) ٤/ ٨٣ انظر: "تهذيب اللغة" (جنح) ١/ ٦٦٥ - ٦٦٦.
(٤) في (م): (يحتكى).
(٥) البيت في "ديوان لبيد" ص ١٠٥ن ونسب إليه أيضًا في "سيرة ابن هشام" ٢/ ٣٢١، و"تهذيب اللغة" (جنح) ١/ ٦٦٥، و"لسان العرب" (جنح) ٢/ ٦٩٧.
والهالكي: الحداد، نسبة للهالك بن عمرو الأسدي أول من عمل الحدادة من العرب، والنقب: الصدأ، انظر: "لسان العرب" (هلك) و (نقب).
(٦) "الحجة للقراء السبعة" ٤/ ١٥٨، ولم أجده في كتاب "النوادر في اللغة" لأبي زيد.
والمفسرون وأهل المعاني قالوا في هذه الآية: إن مالوا إلى الصلح فمل إليه (١)، قال ابن الأنباري: [تأويل الآية] (٢): وإن مالوا إلى المسالمة وترك القتال فمل إلى ذلك (٣).
وأنث الهاء في (لها) لأنه قصد بها قصد (الفَعْلَة) و (الجنحة) كقوله: إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ [الأعراف: ١٥٣] أراد من بعد فَعْلَتهم، ويجوز أن تكون الهاء والألف للسلم في لغة من يؤنثه (٤)، أنشد أبو العباس (٥)، عن سلمة (٦)، عن الفراء:
| فلا تضيقن إن السلم واسعة | ملساء ليس بها وعث ولا ضيق (٧) |
(٢) انظر: "تفسير غريب القرآن" لابن قتيبة ص ١٩١، و"تفسير ابن جرير" ١٠/ ٣٣، و"معاني القرآن وإعرابه" ٢/ ٤٢٢، و"الحجة للقراء السبعة" ٤/ ١٥٨، و"تفسير الثعلبي" ٦/ ٦٩ ب، والبغوي ٣/ ٣٧٣، والزمخشري ٢/ ١٦٦.
(٣) لم أقف عليه.
(٤) قال ابن فارس في "مجمل اللغة" (سلم) ٢/ ٤٦٨: السلم: الصلح يذكر ويؤنث اهـ.
وقال الزمخشري في "الكشاف" ٢/ ١٦٦: والسلم تؤنث تأنيث نقيضها وهي الحرب.
(٥) هو: أحمد بن يحيى (ثعلب)، تقدمت ترجمته.
(٦) هو: سلمة بن عاصم النحوي الكوفي، أبو محمد، راوية الفراء وناشر كتبه، كان أديبًا فاضلًا عالمًا؛ مع ورعٍ شديد، وتأله عظيم، وكثرة عباده، توفي بعد سنة ٢٧٠ هـ.
انظر: "مراتب النحويين" ص ١٤٩، و"إنباه الرواة" ٢/ ٥٦، و"طبقات القراء" لابن الجزري ١/ ٣١١، و"بغية الوعاة" ١/ ٥٩٦.
(٧) لم أعثر على قائله، وهو بلا نسبة في "المذكر والمؤنث" للفراء ص٢٠، و"المذكر والمؤنث" لابن الأنباري ١/ ٤٨٥، و"شرح القصائد السبع" ص ٢٦٢، و"شرح المعلقات" للتبريزي ص ١٦٨، و"اللمع" لابن جني ص ٣١٠.
والقولان للفراء (١) ذكرهما أبو بكر، قال: وأما قوله: (لها) وهو يريد: إليها؛ فلأن (اللام) تنوب عن (إلى)، و (إلى) عنها، وأنشد (٢):
| ومكاشح لولاك أصبح جانحًا | للسلم يرقى حَيّتي وضِبابي (٣) |
قال مجاهد (٤)، والكلبي (٥) في قوله: وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ: يعني: قريظة. وقال الحسن: يعني: المشركين وأهل الكتاب (٦).
(٢) أنشد أبو بكر البيت في "المذكر والمؤنث" ١/ ٤٨٦، ولم يذكر ما قبله في هذا الكتاب.
(٣) البيت لإبراهيم بن هرمة كما في "ديوانه" ص ٧٠.
والمكاشح: المضمر العداوة. ومعنى يرقى: يتعوذ. والضباب: قال في "لسان العرب" (ضبب) ٤/ ٢٥٤٣ الضَّب والضَّب: الغيظ والحقد، وقيل: هو الضغن والعداوة، وجمعه ضباب، قال الشاعر:
| فما زالت رقاك تسل ضغني | وتخرج من مكامنها ضبابي |
(٤) رواه ابن جرير ١٠/ ٣٤ وابن أبي حاتم ٥/ ١٧٢٥، والثعلبي ٦/ ٧٠ أ، وهو في "تفسير مجاهد" ص ٣٥٧.
(٥) "الوسيط" ٢/ ٤٦٩، ورواه الفيروزأبادي في "تنوير المقباس" ص ١٨٤ عنه، عن ابن عباس.
(٦) ذكره هود بن محكم "تفسيره" ٢/ ١٠٢ دون ذكر أهل الكتاب، وكذلك المصنف في "الوسيط" ٢/ ٤٦٩.
وأكثر المفسرين على أن هذا منسوخ (١) وهو قول قتادة (٢)، وعكرمة (٣)، والحسن (٤)، وابن زيد (٥) قالوا: نسخها قوله: فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ [التوبة: ٥]، وقوله: قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ [التوبة: ٢٩]، ونحو ذلك روى عطاء الخرساني، عن ابن عباس (٦)، وقال
(٢) رواه عبد الرزاق في "تفسيره" ٢/ ١/ ٣٦١، وابن جرير ١٠/ ٣٤، وابن أبي حاتم ٥/ ١٧٢٥، والنحاس في "الناسخ والمنسوخ" ٢/ ٣٨٥.
(٣) رواه ابن جرير وابن أبي حاتم في الموضعين السابقين.
(٤) انظر المصدرين السابقين، نفس الموضع، و"تفسير البغوي" ٣/ ٣٧٣.
(٥) رواه ابن جرير ١/ ٣٤، وابن أبي حاتم، الموضع السابق.
(٦) رواه أبو عبيد في "الناسخ والمنسوخ" ص ١٩٤، وابن الجوزي في "الناسخ والمنسوخ" ص ٣٤٧، وابن أبي حاتم في "تفسيره" ٥/ ١٧٢٥ أ. والبيهقي في "السنن الكبرى" كتاب السير، باب: ما جاء في نسخ العفو عن المشركين ٩/ ٢٠، وانظر: "الدر المنثور" ٣/ ٣٦٠، وفي سنده عثمان بن عطاء الخرساني، ضعيف كما في "الكاشف" ٢/ ٢٢٢، ثم إن أباه لم يسمع من ابن عباس كما في "تهذيب التهذيب" ٣/ ٧١ - ٧٢.
بعضهم (١): الآية غير منسوخة ولكنها تتضمن الأمر بالصلح إذا كان الصلاح فيه، فإذا رأى الإمام مصالحتهم والقوة (٢) للمسلمين فلا يجوز أن يهادنهم سنة كاملة، إذ لا يجوز أن تمضي سنة كاملة ولا يكون للإمام فيها غزوة إما بنفسه وإما ببعض سراياه، وإن كانت القوة -والعياذ بالله- للمشركين جاز مهادنتهم عشر سنين، [ولا تجوز الزيادة عليها (٣)، اقتداء برسول الله - ﷺ - فإنه هادن أهل مكة عشر سنين (٤)] (٥)، ثم إنهم نقضوا العهد قبل كمال المدة (٦).
وقوله تعالى: وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ قال مجاهد: وثق بالله (٧)، إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ قال عطاء: يريد لقولكم الْعَلِيمُ بما في قلوبكم من الوفاء، وقلوبهم من النقض (٨).
(٢) في (ج): (والعزة).
(٣) انظر: أحكام الصلح مع الكفار في كتاب "الأم" ٤/ ٢٦٨ - ٢٧٢، و"المغني" ١٣/ ١٥٥ - ١٦٣، و"الجامع لأحكام القرآن" ٨/ ٣٩ - ٤١.
(٤) روى ذلك الإمام أحمد ٤/ ٣٢٥ في ثنايا قصة صلح الحديبية، وكذلك ابن إسحاق في "السيرة" ٣/ ٣٦٦، وأصل القصة في "الصحيحين"، و"صحيح البخاري" (٤١٨٠)، (٤١٨١) كتاب: المغازي، باب: غزوة الحديبية ٥/ ٢٥٨، و"صحيح مسلم" كتاب الجهاد، باب: صلح الحديبية ٣/ ١٤٠٩ (١٧٨٣).
(٥) ساقط من (س).
(٦) انظر: "السيرة النبوية" ٤/ ١٠.
(٧) لم أقف عليه، وقد ذكره المؤلف في "الوسيط" ٢/ ٤٦٩، والسمرقندي في "تفسيره" ٢/ ٢٤ بلا نسبة.
(٨) لم أقف عليه، وقد ذكر في المصدرين السابقين، الموضوع نفسه، بلا نسبة.
التفسير البسيط
أبو الحسن علي بن أحمد بن محمد بن علي الواحدي، النيسابوري، الشافعي