ثم بشر الأسارى بخلف ما أخذ منهم من الفداء بأكثر منه، فقال :
يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّمَن فِيا أَيْدِيكُمْ مِّنَ الأَسْرَى إِن يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْراً يُؤْتِكُمْ خَيْراً مِّمَّآ أُخِذَ مِنكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ * وَإِن يُرِيدُواْ خِيَانَتَكَ فَقَدْ خَانُواْ اللَّهَ مِن قَبْلُ فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ
قلت :( أسْرى ) : جمع أسير، ويجمع على أسارى. وقرئ بهما، و( خيراً مما ) : اسم تفضيل، وأصله : أًخْيَر، فاستغنى عنه بخير، وكذلك شر ؛ أصله : أشر، قال في الكافية :
وغالباً أغناهم خير وشر *** عن قولهم : أخيرُ منه وأشر
يقول الحق جل جلاله : يا أيها النبي قل لمن في أيديكم من الأسرى الذين أخذتم منهم الفداء : إنْ يعلم اللَّهُ في قلوبكم خيراُ من الفداء.
رُوي أنها نزلت في العباس رضي الله عنه ؛ كلَّفه رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يفدي نفسه، وابني أخويه : عقيل بن أبي طالب ونوفل بن الحارث، فقال : يا محمد، تركتني أتكففُ قريشاً ما بقيت، فقال له عليه الصلاة والسلام : وأين الذهب الذي دفعتَهُ لأُمِّ الفضلِ وقتَ خُرُوجك، وقلت لها : لا أدْري ما يصيبني في وَجْهي هذا، فإن حَدَثَ بي حدثٌ فهو لك، ولعبدِ الله، وعُبيد الله، والفضل، وقُثَم، قال له وما يُدْريكَ ؟ قال : أخبرني به ربي تعالى، قال : فأشهدُ أنكَ صادِقٌ، وأن لا اله إلا الله، وأنك رسول الله، واللَّهِ لم يطلعْ عليه أحدٌ إلا الله، ولقد دفعته إليها في سَوَادِ اللِّيْلِ.
قال العباس : فأبْدَلَني الله خيراً من ذلك، أعطاني رسول الله صلى الله عليه وسلم من المال الذي قدم من البحرين ما لم أقدر على حمله، ولي الآن عشرون عبداً، إن أدناهم يضرب أي : يتجر في عشرين ألفاً، وأعطاني زمزم، ما أحب أَنَّ لي بها جميعَ أموالِ أهل مكَّة، وأنا أنتظرُ المغفرة مِنْ ربكم، يعني : الموعود بقوله تعالى : وَيَغفِر لَكُم وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (١).
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي