يقول الله جل وعلا : يأيها النبي قل لمن في أيديكم من الأسرى إن يعلم الله في قلوبكم خيرا يؤتكم خيرا مما أخذ منكم ويغفر لكم والله غفور رحيم ( ٧٠ ) [ الأنفال : الآية ٧٠ ].
جرى على ألسنة العلماء من المفسرين والأصوليين أن هذه الآية الكريمة من أخريات سورة الأنفال نزلت في العباس بن عبد المطلب ( رضي الله عنه ) ١. والتحقيق أنها نزلت في جميع أسارى بدر، ولو فرضنا أنها نزلت في العباس فالعبرة بعموم الألفاظ لا بخصوص الأسباب، وإنما قالوا : إنها نزلت في خصوص العباس مع أنها نازلة في جميع أسارى بدر ؛ لأن العباس بن عبد الطلب ( رضي الله عنه ) هو أكثرهم نصيبا وأوفرهم حظا فيها ؛ لأنه أخذ منه في الفداء ما لم يؤخذ من غيره، فصار كأنه أخص منهم بهذه الآية ؛ ذلك لأن العباس بن عبد المطلب ( رضي الله عنه ) كان من أشراف قريش الذين ضمنوا لهم الإطعام في غزوة بدر، وكان يوم بدر هو اليوم الذي عليه هو أن يطعم – كما قاله أصحاب المغازي والسير – فاشتغل الناس بالقتال عن الإطعام، وكان جعل معه عشرين أوقية من ذهب ليطعم بها الناس، فلما أسره المسلمون أخذوا العشرين معه. وذكر بعض أصحاب المغازي أنه كان رجلا موسرا فأمرهم النبي أن يضعفوا الفداء عليه ٢، فأخذوا منه ثمانين أوقية، وضاعت له عشرون أوقية، فكان المجموع : مائة أوقية. وأمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يفدي ابني أخويه أسيرين معه، أسرا يوم بدر. وذكر بعضهم أنه صلى الله عليه وسلم أمر العباس أيضا أن يفدي حليفه وهو عتبة بن عمرو ( رضي الله عنه )، أخو بني الحارث بن فهر، كان حليفا للعباس بن عبد المطلب ٣، وكان النبي صلى الله عليه وسلم في يوم بدر كما ذكره أصحاب المغازي قال : " إن بعض من يلقونكم في هذا الجيش خرجوا مستكرهين فمن لقي منكم العباس فلا يقتله ؛ لأنه أكرهه قومه على الخروج، ومن لقي أبا البختري فلا يقتله ". وكان أبو حذيفة بن عتبة بن ربيعة ( رضي الله عنه ) وقعت منه زلة يوم بدر، وكان يقول : منذ سقطت مني تلك الكلمة وأنا أخافها لا آمن منها أبدا حتى يكفرها الله عني بالشهادة. فقتل شهيدا أيام اليمامة ( رضي الله عنه ). وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم لما قال : " من لقي منكم العباس فلا يقتله فإنه خرج مستكرها ". قال أبو حذيفة بن عتبة ( رضي الله عنه ) : أنقتل آباءنا وإخواننا وعشائرنا ونترك العباس ! والله إن لقيته لألجمنه السيف. فسمع بها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فذكروا أنه قال لعمر بن الخطاب ( رضي الله عنه ) : " يا أبا حفص " – قال عمر : ما كناني أبا حفص قبل ذلك اليوم – " أيضرب وجه عم رسول الله صلى الله عليه وسلم " ؟ فقال : إنه نافق دعني أقتله ٤.
وكان أبو حذيفة ( رضي الله عنه ) يتخوف من كلمته هذه حتى رزقه الله الموت شهيدا أيام اليمامة. وكذلك نهى عن أبي البختري ؛ لأنه كان يحسن إلى بني هاشم أيام كونهم في الشعب لما قاطعهم قريش، وكان يعاملهم معاملة حسنة ولم يؤذهم، فجاءه المجذر بن زياد البلوي ( رضي الله عنه ) فقال : أما أنت فقد نهانا عنك رسول الله صلى الله عليه وسلم. وكان له زميل، فقال له : وزميلي. فقال : أما زميلك فلم ينهنا عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم. وأراد المجذر أن يقتل زميله، فتعرض دونه وقال ٥ :
| لا يسلم ابن حرة زميله | حتى يموت أو يرى سبيله |
وتراجز هو والمجذر ( رضي الله عنه ) وكان ذلك يقول ٦ :
| أنا الذي أزعم أصلي من بلي | أضرب بالحربة حتى تنثني |
ومما يدل على هذا من اللغة : إجماع أهل اللسان العربي أن الرجل لو كان له أربع زوجات فقامت إحداهن وسبت هذا الرجل وأغضبته فقال : أنتن كلكن طوالق. فإنهن كلهن يطلقن بحسب المدلول العربي ولا يختص بالمرأة التي أغضبته فاستوجبت الطلاق كما لا يخفى. وهذه الآية الكريمة نزلت في العباس بن عبد المطلب، وحكمها عام لمن معه، وظاهرها يشمل جميع الأسرى ؛ لأنه قال : يأيها النبي قل لمن في أيديكم من الأسرى [ الأنفال : الآية ٧٠ ] قرأ هذا الحرف عامة القراء غير نافع : يأيها النبي قل لمن في أيديكم بالإدغام.
وقرأه نافع وحده من السبعة : يا أيها النبيء بالهمزة من غير إدغام، ونافع قرأ لفظ النبيء والأنبئاء في جميع القرآن بالهمزة المحققة في رواية ورش في جميع القرآن، وفي رواية قالون عنه في جميع القرآن إلا في حرفين من سورة الأحزاب فقط، وهما قوله : إن وهبت نفسها للنبي إن أراد النبي [ الأحزاب : الآية ٥٠ ] وقوله : لا تدخلوا بيوت النبي إلا أن يؤذن لكم [ الأحزاب : الآية ٥٣ ] فهذين الحرفين قرأهما عنه قالون كقراءة الجمهور، وقرأهما عنه ورش بالهمزة المحققة كغيرها في سائر القرآن ١١.
وقوله قل لمن في أيديكم من الأسرى قرأه عامة السبعة غير أبي عمرو : قل لمن في أيديكم من الأسرى وقرأه أبو عمرو وحده من السبعة : يأيها النبي قل لمن في أيديكم من الأسارى إن يعلم الله في قلوبكم خيرا يؤتكم خيرا ١٢ ومعنى الآية الكريمة : أن الله ( جل وعلا ) أمر نبيه أن يقول لمن في أيدي المسلمين من أسارى بدر يقول لهم هذا الكلام.
( الأسارى ) جمع أسير، و ( الأسرى ) جمع أسير، إلا أن ( الأسير ) يجمع على ( أسرى ) قياسا مطردا، وقاعدة معروفة ؛ لأن ( الفعيل ) المتصف بما يرثى له به يطرد جمعه تكسيرا على ( فعلى ) ١٣ كمريض ومرضى، وقتيل وقتلى، وجريح وجرحى، وصريع وصرعى، وأسير وأسرى ١٤.
أما على قراءة أسرى فهو جمع مسموع، وإتيان الجموع على ( فعالى ) أو ( فعالى ) مسموع ولا يطرد منه شيء قياسا، ككسالى، وأسارى، ويتامى، وحيارى، وما جرى مجرى ذلك ١٥.
وقوله : قل لمن في أيديكم المراد ب قل لمن في أيديكم من كانوا تحت أيديكم من الأسارى، وكل شيء كان في قبضة الإنسان وتحت قدرته وتصرفه تقول العرب : هو في يده ؛ لأن اليد هي التي تزاول بها الأعمال وتؤخذ بها الأعمال وتؤخذ بها الأشياء عادة ١٦.
والأيدي جمع ( يد )، واليد من الألفاظ التي حذفت العرب لامها ولم تعوض منها شيئا، وأعربتها على العين، فدال اليد في محل العين، وهي معربة على عينها وهو الدال، نزل منزلة لامها، وحذفت لامها، وتنوسيت، وهي إحدى ألفاظ معروفة كذلك، كيد، ودم، وغد، ودد، وهن، وما جرى مجرى ذلك ١٧. وأصل لامها المحذوفة ياء، أصلها ( يدي ) فاؤها ياء، وعينها دال، ولامها ياء. ولامها المحذوفة إنما ترد عند التصغير وجمع التكسير، ففي تصغيرها تقول :( يديه ) وفي جمعها تقول : فاقطعوا أيديهما. وأصله :( أيديهما ) على وزن ( أفعل ) لأن الأيدي أصل وزنه ( أفعل ) ( فعل ) محذوف اللام مجموع على ( أفعل ) إلا أن ضمة العين تجعل كسرة لمجانسة الياء، وربما نطقت العرب باليد مثبتة لامها إثبات المقصور على الألف كالفتى. سمع هذا عنهم قليلا، ومنه قول الراجز ١٨ :
| يا رب سار بات ما توسدا | إلا ذراع العيس أو كف اليدا |
وقوله : من الأسرى الأسرى جمع أسير، والأسير ( فعيل ) بمعنى ( مفعول ) وهو اسم المفعول من ( أسره ) العرب تقول : أسره يأسره أسرا. فالفاعل ( آسر ) والمفعول ( مأسور ) إذا شده بالوثاق. وأصل هذه المادة مأخوذة من الإيسار، والإيسار : القد. والقد : هو جلد البعير غير المدبوغ ؛ لأن جلد البعير إذا لم يدبغ تسميه العرب قدا. وكانوا يشدون الأسير بالجلد عند سلخه طريا، فإذا يبس اشتدت قوته ولا يقدر أحد على حله ولا قطعه ولا نزعه، ومن هنا قيل لكل مشدود شدا محكما : إنه مأسور. وأصله من ( الإيسار ) وهو الشد بالإسار، أعني القد وهو جلد البعير إذا كان غير مدبوغ. ومن هذا المعنى قوله تعالى : نحن خلقنهم وشددنا أسرهم
٢ انظر دلائل النبوة (٣/ ١٤١)، الدر المنثور (٣/ ٢٠٤)، سبل الهدى والرشاد (٤/ ٧١)، وأورده القرطبي (٨/ ٥٢) وعزاه للنقاش..
٣ مضى عند تفسير الآية (١٢) من سورة الأنفال..
٤ السابق..
٥ السابق..
٦ السابق..
٧ أخرجه البيهقي في الدلائل (٣/ ١٤١) من طريق ابن إسحاق، وعنهما أورده ابن كثير في تاريخه (٣/ ٢٩٩)..
٨ راجع ما سبق عند تفسير الآية (٥٧) من سورة الأنعام..
٩ مضى عند تفسير الآية (٣١) من سورة الأعراف..
١٠ السابق..
١١ مضى عند تفسير الآية (١١٢) من سورة الأنعام..
١٢ انظر: المبسوط لابن مهران ص ٢٢٣..
١٣ مضى عند تفسير الآية (٣٦) من سورة الأنعام..
١٤ راجع ما سبق عند تفسير الآية (٣٦) من سورة الأنعام..
١٥ انظر: حجة القراءات ٣١٤، الدر المصون (٥/ ٦٣٧)..
١٦ مضى عند تفسير الآية (٥١) من سورة الأنفال..
١٧ مضى عند تفسير الآية (٥١) من سورة الأنفال..
١٨ السابق..
العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير
الشنقيطي - العذب النمير