ثم يخاطب الحق سبحانه وتعالى الأسرى بعد ذلك فيقول :
يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنَ الأسْرَى إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ( ٧٠ ) :
أي إن صح كلام العباس في إسلامه وأنه كتم الإسلام ؛ فالله يعلم ما في قلبه وسوف يعطيه الله خيرا مما أخذ منه. وبالفعل فاء الله تعالى على العباس بالخير. فقد أسند الطبري إلى العباس أنه قال : فيّ نزلت –أي هذه الآية- حين أعلمت رسول الله صلى الله عليه وسلم بإسلامي وسألته أن يحاسبني بالعشرين أوقية التي أخذت من قبل المفاداة فأبى وقال : " ذلك فَيْءٌ " فأبدلني الله من ذلك عشرين عبدا كلهم تاجر بمالي.
وفي الرواية التي ذكرها ابن كثير ( قال العباس فأعطاني الله مكان العشرين الأوقية في الإسلام عشرين عبدا كلهم في يده مال يضرب به مع ما أرجوه من مغفرة الله عز وجل(١)، وهكذا تحقق قول الله عز وجل :
يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ... ( ٧٠ ) ( سورة الأنفال )
وبعد أن نزلت هذه الآية الكريمة، وكانت موافقة لما اتخذه رسول الله صلى الله عليه وسلم من قرارات، وأبلغ صلى الله عليه وسلم الأسرى بالحكم النهائي من الله : لا تفكون إلا بالفداء أو بضرب الرقاب. وهنا قال سيدنا عبد الله بن مسعود : يا رسول الله إلا سَهْلَ بن بيضاء فإنني عرفته يذكر الإسلام ويصنع كذا وكذا، فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم فما رأيتني في يوم أخوف من أن تقع عليَّ حجارة من السماء مني في ذلك اليوم، حتى قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إلا سَهْلَ بن بيضاء، وقول الحق تبارك وتعالى :
وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ( من الآية ٧٠ سورة الأنفال )
أي مادام في قلوبكم الخير وقد آمنتم أو ستدخلون في الإسلام ؛ فالله يعلم ما في قلوبكم وسيغفر لكم لأنه غفور رحيم.
تفسير الشعراوي
الشعراوي