ﯛﯜﯝﯞﯟﯠﯡﯢﯣﯤﯥﯦﯧﯨﯩﯪﯫﯬﯭ

ثم ختم الله تعالى هذه السورة الجامعة لأهم قواعد السياسة في الحرب والسلم والأسرى والغنائم بما يناسبها من القواعد في ولاية المؤمنين بعضهم لبعض بمقتضى الإيمان والهجرة وما يلزمهما من الأعمال، واختلاف ذلك باختلاف الأحوال، وكولاية الكافرين بعضهم لبعض في مقابلة أهل الإيمان، من المحافظة على الوفاء بالعهود والمواثيق مع الكفار ما دام معقودا غير منبوذ، وغزله عند الكفار مبرما غير منكوث، فقال :
إن الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله والذين آووا ونصروا أولئك بعضهم أولياء بعض والذين آمنوا ولم يهاجروا ما لكم من ولايتهم من شيء حتى يهاجروا وإن استنصروكم في الدين فعليكم النصر إلا على قوم بينكم وبينهم ميثاق والله بما تعملون بصير ( ٧٢ ) والذين كفروا بعضهم أولياء بعض إلا تفعلوه تكن فتنة في الأرض وفساد كبير ( ٧٣ ) والذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله والذين آووا ونصروا أولئك هم المؤمنون حقا لهم مغفرة ورزق كريم ( ٧٤ ) والذين آمنوا من بعد وهاجروا وجاهدوا معكم فأولئك منكم وأولوا الأرحام بعضكم أولى ببعض في كتاب الله إن الله بكل شيء عليم ( ٧٥ )
كان المؤمنون في عصر النبي صلى الله عليه وسلم أربعة أصناف : الأول : المهاجرون الأولون أصحاب الهجرة قبل غزوة بدر، وربما تمتد أو يمتد حكمها إلى الحديبية سنة ست. الثاني : الأنصار. الثالث : المؤمنون الذين لم يهاجروا. والرابع : المؤمنون الذين هاجروا بعد صلح الحديبية، وقد بين في هذه الآيات حكم كل منها ومكانتها.
والذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله والذين آووا ونصروا أولئك هم المؤمنون حقا هذا تفضيل للصنفين الأولين من المؤمنين على غيرهم وشهادة من الله تعالى للمهاجرين الأولين والأنصار بأنهم هم المؤمنون حق الإيمان وأكمله دون من لم يهاجر من المؤمنين وأقام بدار الشرك مع حاجة الرسول صلى الله عليه وسلم والمؤمنين إلى هجرته إليهم، وأعاد وصفهم الأول لأنهم به كانوا أهلا لهذه الشهادة وما يليها من الجزاء في قوله : لهم مغفرة ورزق كريم الجملة استئناف بياني وتنكير مغفرة لتعظيم شأنها، بدليل ما ذكر من أسبابها قبلها، ومن وصف الرزق بعدها بكونه كريما : أي لهم مغفرة من ربهم تامة ماحية لما فرط منهم كأخذ الفداء من الأسرى يوم بدر، ورزق كريم في دار الجزاء : أي رزق حسن شريف بالغ درجة الكمال في نفسه وفي عاقبته. وهذه الشهادة المقرونة بهذا الجزاء العظيم ترغم أنوف الروافض وتلقم كل نابح بالطعن في أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم الحجر، ولا سيما زعمهم بأن أكثرهم قد ارتدوا بعده صلى الله عليه وسلم.
قال ابن جرير : وهذه الآية تنبئ عن صحة ما قلنا أن معنى قول الله بعضهم أولياء بعض في هذه الآية، وقوله : ما لكم من ولايتهم من شيء إنما هو النصرة والمعونة دون الميراث لأنه جل ثناؤه عقب ذلك بالثناء على المهاجرين والأنصار والخبر عما لهم عنده دون من لم يهاجر بقوله : والذين آمنوا وهاجروا... الآية ولو كان مرادا بالآيات قبل ذلك الدلالة على حكم ميراثهم لم يكن عقيب ذلك إلا الحث على مضي الميراث على ما أمر. وفي صحة ذلك كذلك الدليلُ الواضحُ على أنه لا ناسخ في هذه الآيات لشيء ولا منسوخ اه.

تفسير المنار

عرض الكتاب
المؤلف

رشيد رضا

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير