ﯛﯜﯝﯞﯟﯠﯡﯢﯣﯤﯥﯦﯧﯨﯩﯪﯫﯬﯭ

(وَالَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٧٤)
جمع الله تعالى في هذه الآية الذين كانوا دعامة الإسلام، وعليهم هَدْي الرسول - ﷺ - قام بنيانه، وشيدت أركانه، وهم المهاجرون والأنصار، فالمهاجرون ابتدأ بهم تكوين الجماعات الأولى التي صبرت وصابرت وتلقت الصدمة الأولى من المشركين، ويقول - ﷺ -: " إنما الصبر عند الصدمة الأولى " (١)، فهم الذين
________
(١) سبق تخريجه.

صفحة رقم 3206

تلقوها من عتاة المشركين الذين قابلوا أهل الحق بالأذى من أمثال أبي لهب، وأبي جهل، والوليد بن المغيرة، وغيرهم، وهم الذين هاجروا إلى الحبشة فرارًا بإيمانهم، ومنهم من هاجر إليها مرتين، وهم الذين لاقوا العنت، فما وهنوا لما أصابهم في سبيل الله، ومنهم من اضطروه تحت العذاب أن ينطق بكلمة الكفر وقلبه مطمئن بالإيمان، ومنهم من مات بعض أسرته تحت حر العذاب.
ثم في آخر الأمر هاجروا إلى المدينة، فاستقبلهم إخوانهم بالترحاب وآووا ونصروا.
والأنصار هم الذين آووا ونصروا، وأعزوا كلمة التوحيد وأغلوها وأعلوها، فإذا كان المهاجرون هم الذين أظلوا شجرة الإسلام ابتداء، فالأنصار هم الذين حموا ثمرتها وقامت دولة الإسلام في أرضهم وحراستهم، وإذا كان المهاجرون قد لاقوا العنت في مكة فقد لقوا الإيواء في المدينة، وإذا كانوا هم دعامة الإسلام فالأنصار دولته، وفي رحابهم قامت المدينة الفاضلة التي أقامها محمد - ﷺ - في ديارهم وإذا كان المهاجرون قد جاهدوا ابتداء بالصبر والمصابرة، فقد كان جهادهم في المدينة مع إخوانهم الأنصار بذلك وبالقتال في المدينة، والفريقان اختارهم الله للتأليف حتى تكونت منهم أطهر جماعة رأتها الإنسانية وأقواها، ولذا قال تعالى:
(أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا).
الإشارة إلى السابقين، والإشارة إلى الموصوف إشارة إلى أوصافه، وجعلها مناط الحكم، أي أولئك الذين هاجروا بعد الإيمان، وجاهدوا في سبيل الله والذين آووا ونصروا هم المؤمنون حقا، أي إيمانا ثابتا صادقا حقا تلاقت أقوالهم وقلوبهم وأعمالهم.

صفحة رقم 3207

وفى الكلام قصر، أي من كانوا على هذه الصفات هم وحدهم المؤمنون حقا، أي لَا يؤمنون حقا غيرُهم، ومن هم على صفاتهم، وفيهم قوة الإيمان مثلهم، أي ذلك هو الإيمان حقا وصدقا (وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ).
ولقد كرر الله تعالى الثناء على المهاجرين والأنصار في كثير من محكم آياته، من ذلك قوله تعالى: (وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ..).
ويقول تعالى: (لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ...).
وقال تعالى في توزيع ما أفاء الله على رسوله: (لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (٨) وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ).
وهكذا ترى قوة الإيمان، والجهاد ونصرة الرسول، والإيثار فكانوا بذلك المؤمنين حقا وصدقا، وقد ذكر الله تعالى ما كتب من خير في الدنيا والآخرة، بعد أن ذكر أنهم المؤمنون حقا، قال: (لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ) وهذا يتضمن جزاءين:
أولهما - المغفرة السابقة ووراءها الرحمة والنعيم المقيم.

صفحة رقم 3208

ثانيهما - رزق كريم واسع في الدنيا بعد المشقة التي تحملوها والله واسع هذا شأن المهاجرين الذين آمنوا والذين آووا ونصروا، وقد ذكر بعد ذلك شأن الذين يهاجرون ويؤمنون من بعد، فقال تعالى:

صفحة رقم 3209

زهرة التفاسير

عرض الكتاب
المؤلف

محمد بن أحمد بن مصطفى بن أحمد المعروف بأبي زهرة

الناشر دار الفكر العربي
عدد الأجزاء 10
التصنيف التفسير
اللغة العربية