ﯛﯜﯝﯞﯟﯠﯡﯢﯣﯤﯥﯦﯧﯨﯩﯪﯫﯬﯭ

والذين ءامنوا وهاجروا وجهدوا في سبيل الله والذين ءاووا ونصروا أولئك هم المؤمنون حقا لهم مغفرة ورزق كريم ( ٧٤ ) [ الأنفال : الآية ٧٤ ] [ شرع ] ١ الله ( جل وعلا ) وبين للمؤمنين أن يكونوا أولياء للمؤمنين، والكفار بين أنهم أولياء الكفار، وأثنى على المهاجرين والأنصار ؛ لأن بعضهم أولياء بعض، مدح المهاجرين والأنصار وزكاهم وهو المطلع على ضمائرهم وخبايا ما يضمرون، بين أن إيمانهم أنه إيمان حق لا شك فيه ولا نفاق ولا ضعف، فأثنى عليهم ومدحهم مدحا عظيما من رب العالمين، قال : والذين ءامنوا – بالله ورسوله وكل ما يجب به الإيمان – وهاجروا – أوطانهم وأموالهم وديارهم – بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله فسرناه بالأمس.
وهذه الصفات كله يقصد بها المهاجرون الذين هاجروا إلى المدينة هذه، وهم النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه الذين هاجروا معه رضي الله عنهم.
والذين ءاووا يعني : آووهم، قد قدمنا أن العرب تقول : " آواه يؤويه إيواء " إذا ضمه إليه وجعل له مأوى يأوي إليه، والمأوى : المسكن والمنزل ؛ لأن الأنصار هيؤوا للمسلمين أمكنة ينزلون فيها وهيؤوا لهم كل ما يستعينون به، وآخى النبي صلى الله عليه وسلم بينهم، كان يقول : " فلان أخو فلان ". فيتوارثان بذلك الإخاء، وكان الأنصار يشاطرونهم أموالهم، وقد آخى صلى الله عليه وسلم بين عبد الرحمان بن عوف الزهري ( رضي الله عنه ) وسعد بن الربيع الأنصاري ( رضي الله عنه )، ذكر بعض أهل المغازي والأخبار أن النبي لما آخى بينهما جاء سعد إلى عبد الرحمان وقال : أرخص ما عندي نعلاي، فهذه إحداهما، وأعظم ما عندي زوجتاي أنزل لك عن إحداهما، فإن تمت عدتها تزوجتها ! ! - وقد كان عبد الرحمان بن عوف ( رضي الله عنه ) وأغلب المهاجرين تعففوا واتجروا- فقال له عبد الرحمن بن عوف : أقرضني درهما. فأقرضه درهما فاتجر به، فراح وعنده درهمان، رد إليه درهمه واتجر بالثاني، فراح عنده درهمان، ولم يزل يتجر حتى انتشر عليه المال وكان من أغنياء الصحابة ٢ ( رضي الله عنهم ). فهم آووهم حيث هيؤوا لهم المساكن والأموال، وشاطروهم أموالهم، وأحسنوا إليهم كل الإحسان، كما في قوله : يحبون من هاجر إليهم ولا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا ويؤترون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة [ الحشر : الآية ٩ ] هذا ثناء الله ومدحه للمهاجرين والأنصار، ثم قال : أولئك الإشارة في قوله : أولئك شاملة للمهاجرين والأنصار معا، فالمهاجرون هم المعبر عنهم ب ءامنوا وهاجروا وجهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله والأنصار هم المعبر عنهم بقوله : ءاووا ونصروا أي : آووا النبي وأصحابه ونصروهم على أعدائهم، هؤلاء جميعا هم المؤمنون حقا حق إيمانهم حقا ؛ لأنهم صدقوا إيمانهم بهجرتهم وجهادهم في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم وبإيمانهم، وأولئك حققوه بإيوائهم ونصرتهم لله ؛ لأن الأنصار قامت موقفا عظيما حيث تحملت عداوة جميع أهل الدنيا في نصرة النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه ؛ ولذا قال : والذين ءامنوا وهاجروا وجهدوا في سبيل الله والذين ءاووا ونصروا أولئك – هؤلاء – هم المؤمنون حقا بمعنى الكلمة الإيمان الذي هو لا قيل فيه ولا قال، بل هو الإيمان كما ينبغي.
وهذه من الآيات الدالة على تزكية الصحابة لا سيما المهاجرين والأنصار، ووصفهم بالعدالة وصحة الإيمان، فإذا روى لنا مهاجري أو أنصاري حديثا فلا نقول : هل هذا عدل أو غير عدل ؟ ! لأنه لا مزكي أعظم تزكية من الله، ولا تزكية أعظم من قوله : أولئك هم المؤمنون حقا لهم درجت عند ربهم ومغفرة ورزق كريم ( ٤ ) [ الأنفال : الآية ٤ ] والله ( جل وعلا ) نوه بشأن المهاجرين والأنصار الذين اتبعوهم، ونوه بشأن جميع الصحابة وزكاهم في غير ما آية، فمن الآيات التي أثنى بها على المهاجرين والأنصار قوله : والسبقون الأولون من المهجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسن رضي الله عنهم ورضوا عنه وأعد لهم جنت تجري تحتها الأنهر [ التوبة : الآية ١٠٠ ] وفي قراءة ابن كثير : جنت تجري من تحتها الأنهر ٣. والمصحف الذي أرسله عثمان إلى مكة فيه : من تحتها الأنهر بذكر لفظة ( من ) وقراءة الجمهور والمصاحف التي أرسلت إلى الشام وإلى الكوفة والبصرة فيها : تحتها الأنهار بغير لفظة ( من ). فقوله : والسبقون الأولون من المهجرين والأنصار – لم يشترط فيهم شيئا بل قال :- رضي الله عنهم ورضوا عنه [ التوبة : الآية ١٠٠ ] – وهذه أعظم تزكية، والذين اتبعوهم – اشترط فيهم شرطا وهو الإحسان ؛ لأن قوله : بإحسن اشترطه في خصوص الذين اتبعوهم، ومن هذه الآيات قوله تعالى : لا يستوي منكم من انفق من قبل الفتح وقتل أولئك أعظم درجة من الذين أنفقوا من بعد وقتلوا [ الحديد : الآية ١٠ ] ثم قال : وكلا وعد الله الحسنى كلا من جميع الصحابة ممن أنفق وقاتل قبل الفتح وبعده وعد الله الحسنى.
ومن هذه الآية الكريمة قال ابن حزم : يجب على كل مسلم أن يعتقد أن الصحابة كلهم في الجنة ؛ لأن الله صرح بذلك ولا يخلف الله الميعاد حيث قال : لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وقتل أولئك أعظم درجة من الذين أنفقوا من بعد وقتلوا – ثم صرح في الجميع بوعده الصادق الذي لا يخلفه قال :- وكلا وعد الله الحسنى ٤. وقال ( جل وعلا ) للفقراء المهجرين الذين أخرجوا من ديرهم وأموالهم يبتغون فضلا من الله ورضوانا وينصرون الله ورسوله أولئك هم الصدقون ( ٨ ) [ الحشر : الآية ٨ ] فزكاهم بقوله : أولئك هم الصدقون ثم ذكر الأنصار قال : والذين تبوءو الدار والإيمن من قبلهم الدار : هي المدينة تبوءو الدار والإيمن أي : وانتهجوا الإيمان، فهو مفعول فعل محذوف دل المقام عليه ٥ من قبلهم يحبون من هاجر إليهم ولا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا قال جماعة من أهل العلم : إن المهاجرين أفضل من الأنصار ؛ ولذا كان الأنصار لا يكون في صدورهم شيء من فضل المهاجرين عليهم، هكذا قاله غير واحد ٦. ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة [ الحشر : الآية ٩ ] ثم ذكر من يأتي بعدهم فقال : والذين جاءوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمن [ الحشر : الآية ١٠ ] ومن هذه الآيات أخذ مالك بن أنس ( رحمه الله ) إمام دار الهجرة أن الذين يسبون بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم لا نصيب لهم في فيء المسلمين أبدا، وقال لبعضهم : هل أنتم من الفقراء المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم يبتغون فضلا من الله ورضوانا وينصرون الله ورسوله ؟ قالوا : لا، لسنا من هؤلاء. قال : هل أنتم من الذين قال فيهم : والذين تبوءو الدار والإيمن من قبلهم يحبون من هاجر إليهم ؟ قالوا : لا، لسنا من هؤلاء. قال : وأنا أشهد أنكم لستم من الطائفة الثالثة التي قال الله فيها : والذين جاءوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمن فأنتم تسبون الصحابة وتلعنونهم، فلستم من جملة من جعل الله لهم شيئا من المسلمين فلا شيء لكم ألبتة ٧.
وهذه الآيات وأمثالها في القرآن تدل على أن الذين يسبون بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أنهم ضلال، منابذون لهدي الله، مخالفون لكتاب الله الذي هو آخر الكتب السماوية نزولا من عند رب العالمين ( جل وعلا ) وهذا معنى قوله : أولئك هم المؤمنون حقا [ الأنفال : الآية ٧٤ ].
قال بعض العلماء :( حقا ) مصدر ٨، أي : حق ذلك حقا، أي : لما حققوه به من الإيمان والهجرة والجهاد بالنفس والمال في سبيل الله، إلى غير ذلك من الصفات.
لهم مغفرة المغفرة ( مفعلة ) من الغفران، وأصل مادة الغين والفاء والراء ( غفر ) أصلها معناها الستر والتغطية أيضا كمادة ( الكفر ) لأن الله يستر بحلمه وفضله ذنوب التائبين إليه حتى لا يظهر لها أثر يتضررون به ٩.
وقوله : كريم كل شيء حسن مبالغ في الحسن والجمال تسميه العرب كريما، وإنما وصف رزقهم بأنه كريم لأن ما في الجنة من الأرزاق كله كريم كلما رزقوا منها من ثمرة رزقا قالوا هذا الذي رزقنا من قبل وأتوا به متشبها [ البقرة : الآية ٢٥ ] وأرزاق الجنة مبينة في القرآن العظيم من مآكلها ومشاربها وغير ذلك. وهذا معنى قوله : لهم مغفرة ورزق كريم [ الأنفال : الآية ٧٤ ].

١ في هذا الموضع انقطع التسجيل، وما بين المعقوفين [ ] زيادة يتم بها الكلام..
٢ أخرجه البخاري في البيوع، باب ما جاء في قول الله عز وجل: فإذا قضيت الصلوة فانتشروا في الأرض.... رقم: (٢٠٤٨)، (٤/ ٢٨٨). وطرفه في (٣٧٨٠). عن عبد الرحمان بن عوف (رضي الله عنه). وأخرجه أيضا عن أنس (رضي الله عنه) (الموضع السابق) برقم (٢٠٤٩). وأطرافه في (٢٢٩٣، ٢٧٨١، ٣٩٣٧، ٥٠٧٢، ٥١٤٨، ٥١٥٣، ٥١٥٥، ٥١٦٧، ٦٣٨٧).
٣ انظر: المبسوط لابن مهران ص ٢٢٨..
٤ الإحكام ص ٦٦٤..
٥ انظر: القرطبي (١٨/ ٢٠)..
٦ انظر: ابن كثير (٤/ ٣٣٧)..
٧ تقدم..
٨ انظر: القرطبي (٨/٨)..
٩ مضى عند تفسير الآية (١٥٥) من سورة الأعراف..

العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير

عرض الكتاب
المؤلف

الشنقيطي - العذب النمير

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير