وَالَّذِينَ آمَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَالَّذِينَ آوَواْ وَّنَصَرُواْ أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَّهُم مَّغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ .
جمع الله تعالى في هذه الآية الذين كانوا دعامة الإسلام، وعليهم هدي الرسول صلى الله عليه وآله وسلم قام بنيانه، وشيدت أركانه، وهم المهاجرون والأنصار، فالمهاجرون ابتدأ بهم تكوين الجماعات الأولى التي صبرت وصابرت وتلقت الصدمة الأولى من المشركين، ويقول صلى الله عليه وآله وسلم :( إنما الصبر عند الصدمة الأولى ) ( ١ )١، فهم الذين تلقوها من عتاة المشركين الذين قابلوا أهل الحق بالأذى من أمثال أبي لهب، وأبي جهل، والوليد بن المغيرة، وغيرهم، وهم الذين هاجروا إلى الحبشة فرارا بإيمانهم، ومنهم من هاجر إليها مرتين، وهم الذين لاقوا العنت، فما وهنوا لما أصابهم في سبيل الله، ومنهم من اضطروه تحت العذاب أن ينطق بكلمة الكفر وقلبه مطمئن بالإيمان، ومنهم من مات بعض أسرته تحت حر العذاب.
ثم في آخر الأمر هاجروا إلى المدينة، فاستقبلهم إخوانهم بالترحاب وآووا ونصروا.
والأنصار هم الذين آووا ونصروا، وأعزوا كلمة التوحيد وأغلوها وأعلوها، فإذا كان المهاجرون هم الذين أظلوا شجرة الإسلام ابتداء، فالأنصار هم الذين حموا ثمرتها وقامت دولة الإسلام في أرضهم وحراستهم، وإذا كان المهاجرون قد لاقوا العنت في مكة فقد لقوا الإيواء في المدينة، وإذا كانوا هم دعامة الإسلام فالأنصار دولته، وفي رحابهم قامت المدينة الفاضلة التي أقامها محمد صلى الله عليه وآله وسلم في ديارهم وإذا كان المهاجرون قد جاهدوا ابتداء بالصبر والمصابرة، فقد كان جهادهم في المدينة مع إخوانهم الأنصار بذلك وبالقتال في المدينة، والفريقان اختارهم الله للتأليف حتى تكونت منهم أطر جماعة رأتها الإنسانية وأقواها ؛ ولذا قال تعالى : أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا .
الإشارة إلى السابقين، والإشارة إلى الموصوف إشارة إلى أوصافه، وجعلها مناط الحكم، أي أولئك الذين هاجروا بعد الإيمان، وجاهدوا في سبيل الله والذين آووا ونصروا هم المؤمنون حقا، أي إيمانا ثابتا صادقا حقا تلاقت أقوالهم وقلوبهم وأعمالهم.
وفي الكلام قصر، أي من كانوا على هذه الصفات هم وحدهم المؤمنون حقا، أي لا يؤمنون حقا غيرهم، ومن هم على صفاتهم، وفيهم قوة الإيمان مثلهم، أي ذلك هو الإيمان حقا وصدقا وفي ذلك فليتنافس المتنافسون ( ٢٦ ) ( المطففين ).
ولقد كرر الله تعالى الثناء على المهاجرين والأنصار في كثير من محكم آياته، من ذلك قوله تعالى : والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان رضي الله عنهم ورضوا عنه وأعد لهم جنات تجري من تحتها الأنهار.... ( ١٠٠ ) ( التوبة ).
ويقول تعالى : لقد تاب الله على النبي والمهاجرين والأنصار الذين اتبعوه في ساعة العسرة...... ( ١١٧ ) ( التوبة ).
وقال تعالى : في توزيع ما أفاء الله على رسوله : للفقراء المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم فضلا من الله ورضوانا وينصرون الله ورسوله أولئك هم الصادقون ( ٨ ) والذين تبوءوا الدار والإيمان من قبلهم يحبون من هاجر إليهم ولا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة ( ٩ ) ( الحشر ).
وهكذا ترى قوة الإيمان، والجهاد ونصرة الرسول، والإيثار فكانوا بذلك المؤمنين حقا وصدقا، وقد ذكر الله تعالى ما كتب من خير في الدنيا والآخرة، بعد أن ذكر أنهم المؤمنون حقا، قال : لَّهُم مَّغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ ، وهذا يتضمن جزائين :
أولهما – المغفرة السابقة وراءها الرحمة والنعيم المقيم.
ثانيهما – رزق كريم واسع في الدنيا بعد المشقة التي تحملوها والله واسع عليم.
زهرة التفاسير
أبو زهرة