ﮚﮛﮜﮝ

ثم بينه بقوله تعالى : من نطفة أي : ماء يسير جدّاً لا من غيره. خلقه أي : أوجده مقدّراً على ما هو عليه من التخطيط فقدّره أي : علقة ثم مضغة إلى آخر خلقه فكأنه قيل : وأي سبب في هذا الترفع مع أنّ أوّله نطفة مذرة وآخره جيفة قذرة، وهو فيما بين الوقتين حامل عذرة، فإنّ خلقة الإنسان تصلح أن يستدل بها على وجود الصانع ؛ لأنه يستدل بها على أحوال البعث والحشر. قيل : نزلت في عتبة بن أبي لهب والظاهر العموم.
فإن قيل : الدعاء على الإنسان إنما يليق بالعاجز فالقادر على الكل كيف يليق به ذلك، والتعجب أيضاً إنما يليق بالجاهل بسبب الشيء، فالعالم به كيف يليق به ذلك ؟ أجيب : بأنّ ذلك ورد على أسلوب كلام العرب لبيان استحقاقهم لأعظم العقاب حيث أتوا بأعظم القبائح. كقولهم إذا تعجبوا من شيء : قاتله الله ما أحسنه، وأخزاه الله ما أظلمه، والمعنى : اعجبوا من كفر الإنسان بجميع ما ذكرنا بعد هذا.
وقيل : الاستفهام استفهام تحقير له فذكر أوّل مراتبه وهو قوله تعالى : من نطفة خلقه ولا شك أنّ النطفة شيء حقير مهين، ومن كان أصله ذلك كيف يتكبر وقوله تعالى : فقدّره أي : أطواراً وقيل : سوّاه كقوله تعالى : ثم سوّاك رجلاً [ الكهف : ٣٧ ] أو قدّر كل عضو في الكيفية والكمية بالقدر اللائق لمصلحته كقوله تعالى : وخلق كل شيء فقدّره تقديراً [ الفرقان : ٢ ].

السراج المنير في الإعانة على معرفة بعض معاني كلام ربنا الحكيم الخبير

عرض الكتاب
المؤلف

الشربيني

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير