كلاَّ ، ردع للإنسان عما هو عليه، ثم بيَّن سبب الردع فقال : لمَّا يَقْضِ ما أَمَرَهُ أي : لم يقضِ العبد جميع ما أمَرَه اللهُ به ؛ إذ لا يخلوا العبد من تقصيرٍ ما، فإن قلت :" لَمَّا " تقتضي توقع منفيها، وهو هنا متعذر كما قلتَ ؟. قلتُ : الأمر الذي أمر الله به عبادَه في الجملة : هو الوصول إلى حضرة الشهود والعيان، وهو ممكن عادة، متوقع في الجملة، وقد وصل إليه كثير من أوليائه تعالى، فمَن وصل إليه فلا تقصير في حقه، وإن كانت المعرفة غير متناهية، ومَن لم يصل إليه فهو مُقصِّر، غير أنَّ عقابه هو احتجابه عن ربه. والله تعالى أعلم.
ثم قال : ثم السبيل يَسَّره أي : سهلنا عليه سبيل الظهور لِمَظاهر الأسماء الجلالية والجمالية، ثم أماته عن أنانيته، فأقبره في قبر الفناء عن رؤية الفناء، ثم إذا شاء أنشره بالبقاء بعد الفناء. كلاَّ لِيرتدع عن كفرانه لنِعمنا، وليستغرق أحواله في شهود ذاتنا، ليكون شاكراً لأنعُمنا، لمَّا يقضِ ما أمَرَه، وهو الوصول إلى حضرة العيان. فكل مَن وصل إلى حضرة الشهود بالفناء والبقاء فقد قضى ما أَمَرَه به مولاه، وكل مَن لم يصل إليها فهو مُقَصِّر، ولو أعطي عبادة الثقلين. قال القشيري : ويُقال : لم يقضِ الله له أمره به، ولو قضى له ما أمره به لَمَا عصاه. هـ. وقال الورتجبي : لم يفِ بالعهد الأول، حين خاطبه الحق بقوله : أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَى [ الأعراف : ١٧٢ ] ولم يأتِ بمراد الله منه، وهو العبودية الخالصة. هـ. قلت : يعني مع انضمام شهود عظمة الربوبية الصافية.
وقوله تعالى : فلينظر الإنسانُ إلى طعامه أي : الحسي والمعنوي، وهو قوت القلوب والأرواح، أنَّا صببنا الماء صبًّا، أي : صببنا ماء العلوم والواردات على القلوب الميتة فحييت. قال القشيري : صَبَبْنا ماءَ الرحمة على القلوب القاسية فَلاَنتْ للتوبة، وماء التعريف على القلوب الصافية فنبتت فيها أزهار التوحيد وأنوارُ التجريد. هـ. ثم شققنا أرض البشرية بأنواع العبادات والعبودية، شقًّا، فأنبتنا فيها : في قلبها حَبَّ المحبة، وكَرْمَ الخمرة الأزلية، وقَضْب الزهد في زهرة الدنيا وشهواتها، وزيتوناً يشتعل بزيتها مصابيح العلوم، ونخلاً يجنى منها ثمار حلاوة المعاملة، وحدائق، أي : بساتين المعارف متكاثفة التجليات، وأبًّا، أي : مرعى لأرواحكم، بالفكرة والنظرة في أنوار التجليات الجلالية والجمالية، فيأخذ النصيب من كل شيء، ويعرف الله في كل شيء، كما قال شيخ شيوخنا، سيدي عبد الرحمان المجذوب رضي الله عنه :
متاعاً لكم، أي : لقلوبكم وأرواحكم، بتقوية العرفان في مقام الإحسان، ولأنعامكم أي : نفوسكم بتقوية اليقين في مقام الإيمان. والله تعالى أعلم. الخلقُ نوار، وأنا رعيت فيهم هم الحجب الأكبر والمدخل فيهم
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي