المعنى الجملي : بعد أن بين حال القرآن وذكر أنه كتاب الذكرى والموعظة، وأن في استطاعة كل أحد أن ينتفع بعظاته لو أراد- أردف هذا ببيان أنه لا يسوغ للإنسان مهما كثر ماله، ونبه شأنه، أن يتكبر ويتعاظم ويعطي نفسه ما تهواه، ولا يفكر في منتهاه، ولا فيمن أنعم عليه بنعمة الخلق والإيجاد، وصوره في أحسن الصور، في أطوار مختلفة، وأشكال متعددة، ثم لا يلبث إلا قليلا على ظهر البسيطة حتى يعود إلى التراب كما كان، ويوضع في لحده، إلى أمد قدره الله في علمه، ثم يبعثه من قبره، ويحاسبه على ما عمل في الدار الأولى، ويستوفي جزاءه إن خيرا وإن شرا، لكنه ما أكفره بنعمة ربه، وما أبعده عن اتباع أوامره، واجتناب نواهيه !.
شرح المفردات : كلا : زجر له عن ترفعه وتكبره.
ثم أكد كفرانه بالنعم فقال :
كلا لما يقض ما أمره أي حقا إن حال الإنسان لتدعو إلى العجب. فإنه بعد أن رأى في نفسه مما عددناه من عظيم الآيات، وشاهد من جلائل الآثار. ما يحرك الأنظار، ويسير بها إلى صواب الآراء، وصحيح الأفكار- لم يقض ما أمره به من التأمل في دلائل قدرته، والتدبر في معالم هذا الكون المنبئة بوحدانية خالقه، الناطقة بأن لها موجدا يستحق أن يقصده وحده دون سواه، ويتوجه إليه بالعبادة والامتثال إلى ما يأمره به.
والخلاصة : إن الإنسان قد بلغ في جحده آيات خالقه مبلغا لا ينتهي منه العجب إذ قد رأى في نفسه وفي السماوات والأرض وسائر ما يحيط به من العوالم، الآيات الناطقة بوحدانية الخالق، الدالة على عظيم قدرته، ثم هو لا يزال مستمرا في نكران نعمته عليه، فإذا ذكر لا يتذكر، وإذا أرشد إلى الهدى لم يسلك سبيله الأقوم ولا يزال يرتكب ما نهى عنه، ويترك ما أمر به.
تفسير المراغي
المراغي