المعنى الجملي : نزلت هذه السورة في ابن أم مكتوم عمرو بن قيس ابن خال خديجة، وكان أعمى وهو من المهاجرين الأولين. استخلفه صلى الله عليه وسلم على المدينة يصلي بالناس مرارا، وكان يؤذن بعد بلال.
وكان من حديثه أن أتى النبي صلى الله عليه وسلم وهو بمكة ومعه صناديد قريش : عتبة وشيبة ابنا ربيعة، وأبو جهل بن هشام، والعباس بن عبد المطلب، وأمية بن خلف، والوليد بن المغيرة، يدعوهم للإسلام، ويذكرهم بأيام الله، ويحذرهم بطشه وجبروته، ويعدهم أحسن المثوبة إن أسلموا، وهو شديد الحرص على أن يجيبوه إلى ما دعاهم إليه، لأنه يعلم أن سيسلم بإسلامهم خلق كثير، إذ بيدهم مقادة العرب.
فقال ابن أم مكتوم : يا رسول الله أقرئني وعلمني مما علمك الله، وكرر ذلك وهو لا يعلم تشاغله بالقوم، فكره الرسول قطعه لكلامه، وظهرت في وجهه الكراهة، فعبس وأعرض عنه.
وقد عاتب الله نبيه بأن ضعف ذلك الأعمى وفقره لا ينبغي أن يكون باعثا على كراهة كلامه والإعراض عنه، لأن ذلك يورث انكسار قلوب الفقراء، وهو مطالب بتأليف قلوبهم كما قال : ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه [ الأنعام : ٥٢ ] وقال : واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه ولا تعد عيناك عنهم تريد زينة الحياة الدنيا ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا واتبع هواه وكان أمره فرطا [ الكهف : ٢٨ ].
ولأنه كان ذكي الفؤاد إذا سمع الحكمة وعاها، فيتطهر بها من أوضاع الآثام، وتصفو بها نفسه، أو يذكر بها ويتعظ فتنفعه العظة في مستأنف أيامه.
أما أولئك الأغنياء فأكثرهم جَحَدة أغبياء، فلا ينبغي التصدي لهم، طمعا في إقبالهم على الإسلام، ليتبعهم غيرهم.
وقوة الإنسان إنما هي في ذكاء لبّه، وحياة قلبه، وإذعانه للحق متى لاحت له أمارته، أما المال والنشب، والحشم والأعوان فهي عوار تجيء وترتحل، وتفر حينا ثم تنتقل.
والخلاصة : إنه سبحانه عاتب نبيه وأمره بأن يقبل على ذي العقل الذكي، ونهاه أن ينصرف عنه إلى ذي الجاه القوي، فإن الأول حي بطبعه والثاني غائب عن حسه.
وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد نزول هذه الآيات يكرم ابن أم مكتوم ويقبل عليه ويتفقده، ويقول له إذا رآه : أهلا بمن عاتبني فيه ربي، ويسأله هل لك حاجة ؟.
شرح المفردات : وما يدريك : أي أيّ شيء يعرفك حال هذا الأعمى ؟ يزكى : أي يتطهر بما يلقن من الشرائع، يذكر : أي يتعظ، .
وما يدريك لعله يزكى* أو يذكر فتنفعه الذكرى أي وأيّ شيء يعلمك حال هذا الأعمى ؟ لعله يتطهر بما يسمعه منك، ويتلقاه عنك، فتزول عنه أوضار الآثام، أو يتعظ فتنفعه ذكراك وموعظتك.
والخلاصة : إنك لا تدري ما هو مترقب منه من تزك أو تذكر، ولو دريت لما كان الذي كان.
وفي هذا إيمان إلى أن من تصدى لتزكيتهم وتذكيرهم من المشركين لا يرجى منهم التزكي ولا التذكر.
تفسير المراغي
المراغي