ﯖﯗﯘﯙ

ولقد رآه الضمير المرفوع راجع إلى صاحبكم محمد صلى الله عليه وسلم بالاتفاق والضمير المنصوب إما راجع إلى ذي العرش فعلى هذا قوله تعالى : بالأفق المبين ظرف مستقر حال من الضمير المرفوع والمعنى أنه رأى محمد ذا العرش ليلة المعراج حال كون محمد بالأفق للعالم على منتهى السماوات السبع، قال البغوي روينا في قصة المعراج عن شريك بن عبد الله عن أنس قال دنى جبار رب العزة فتدلى كان حتى قاب قوسين أو أدنى وهو رواية أبي سلمة عن ابن عباس وكذا قال الضحاك، والقائلون بهذا القول اختلفوا فقال بعضهم جعل بصره في فؤاده فرآه بفؤاده استنباطا من قوله تعالى : ما كذب الفؤاد ما رأى ١١ ١ وهذا قول ابن عباس، روى مسلم عن أبي العالية عنه ما كذب الفؤاد ما رأى ولقد رآه نزلة أخرى قال رآه بفؤاده مرتين وذهب جماعة إلى أنه رآه بعينه وهو قول أنس والحسن وعكرمة قالوا : رأى محمد ربه وروى عكرمة عن ابن عباس قال : إن الله اصطفى إبراهيم بالخلة واصطفى موسى بالكلام واصطفى محمد بالرؤية وعن أبي ذر قال : سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم هل رأيت ربك ؟ قال :( نور أنى أراه )٢ رواه مسلم، قلت : ويحتمل أن يراد بالأفق المبين والأفق الأعلى منتهى درجات سير السالكين إن أقصى حقائق العابدين وهي الحقيقة الأحمدية المعبر فيها بالمحبوبية الصرفة وراء ذلك مرتبة اللاتعين ولا مساغ للسير والسلوك في مرتبة اللاتعين والسير في تلك المرتبة العليا السير النظري فحسب كذا قال المجدد، وقال جمهور المفسرين الضمير المنصوب راجع إلى رسول كريم والمراد بالرسول جبرائيل، قال قتادة ومجاهد الأفق المبين هو الأفق الأعلى من ناحية المشرق، روى البغوي بسنده عن ابن عباس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لجبرائيل :( إني أحب أن أراك في صورتك التي تكون فيها في السماء قال : لن تقوى على ذلك قال بلى قال : فأين تشاء أن أتخيل لك قال بالأبطح قال : لا يسعني قال في منى قال لا يسعني قال فبعرفات قال لا يسعني ذلك قال بحراء قال : يسعني فواعده فخرج النبي صلى الله عليه وسلم للوقت فإذا هو بجبرائيل قد أقبل من جبال عرفات بخشخشة وكلكلة قد ملأ ما بين المشرق والمغرب ورأسه في السماء ورجلاه في الأرض فلما رآه النبي صلى الله عليه وسلم كبر وخر مغشيا عليه قال فتحول جبرائيل في صورته فضمه إلى صدره، وقال : يا محمد لا تخف فكيف لك لو رأيت إسرافيل ورأسه من تحت العرش ورجلاه في تخوم الأرض السابع وإن العرش لعال كأهله وإنه ليتضاءل أحيانا من مخافة الله عز وجل حتى يصير مثل يعني العصفور حتى ما يحمل عرش ربك إلا عظمة ) ومن القائلين بهذا القول عائشة رضي الله عنها. روى البخاري في صحيحه وغيره أنها كذبت من قال : رأى محمد ربه مستدلة بقوله تعالى : لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار وقوله تعالى : وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا أو من وراء حجاب ٣ الآية، والفقه في الباب أن المثبتين للرؤية أولي من قولها وقوله تعالى : لا تدركه الأبصار ٤ لا ينفي الرؤية في الآخرة إجماعا فكذا في ليلة المعراج حين خرج النبي صلى الله عليه وسلم ورأى الجنة والنار وما ذكر ابن عباس وعائشة قصة رؤية النبي صلى الله عليه وسلم جبرائيل على صورته حق لكن لا يستلزم أن يكون المراد بالآية تلك القصة كيف وسوق الكلام لبيان فضل رسول الله صلى الله عليه وسلم وبيان كماله ورؤية جبرائيل وهو مفضول من النبي صلى الله عليه وسلم بالإجماع ليست من الفضائل كيف وقوله : عند ذي العرش مكين يدل على كمال قربه والترقي منه إثبات رؤية الله دون رؤية جبرائيل ولو كان عند ذي العرش صفة جبرائيل ورؤية جبرائيل صفة محمد عليه السلام يلزم الانعكاس الأمر في الفضل والله تعالى أعلم.

١ سورة النجم، الآية: ١١..
٢ أخرجه مسلم في كتاب: الإيمان، باب: في قوله عليه السلام (نور أنى أراه) (١٧٨)..
٣ سورة الشورى، الآية: ٥١..
٤ سورة الأنعام، الآية: ١٠٣..

التفسير المظهري

عرض الكتاب
المؤلف

المظهري

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير