ولقد رآه أي : رأى محمدٌ صلى الله عليه وسلم جبريلَ على صورته التي خلقه اللهُ عليها، بالأُفق المبين أي : بمطلع الشمس الأعلى، وقال ابن عباس : قال النبي صلى الله عليه وسلم لجبريل :" إني أُحب أن أراك في الصورة التي تكون عليها في السماء " قال : أتقدر على ذلك ؟ قال :" بلى " قال : فأين تشاء ؟ قال :" بالأبطح "، قال : لا يسعني، قال :" بمِنىً "، قال : لا يسعني، قال :" فبعرفات " قال : ذلك بالحري أن يسعني، فواعده، فخرج النبي صلى الله عليه وسلم للوقت، فإذا هو قد أقبل من جبال عرفات بخشخشة وكلكلة، قد ملأ ما بين المشرق والمغرب، ورأسه في السماء، ورجلاه في الأرض، فلما رآه النبيُّ صلى الله عليه وسلم خرّ مغشيًّا عليه، فتحوّل جبريلُ في صورته، فضمّه إلى صدره، وقال : لا تخف، فكيف لو رأيت إسرافيل ورأسه من تحت العرش، ورجلاه في التخوم السابعة، وإنَّ العرش لعلى كاهله، وإنه ليتضاءل أحياناً من مخافة الله تعالى حتى يصير مثل الوصع أي : العصفور حتى ما يحمل عرش ربك إلاّ عظمته. ه.
أو : ولقد رأى جبريلَ عليه السلام ليلة المعراج. أو : لقد رأى ربه، وكان محمد صلى الله عليه وسلم بالأُفق الأعلى.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:الإشارة : فلا أُقسم بالخُنَّس ؛ الحواس الخمس، وهي : السمع والبصر والشم والذوق والوجدان الباطني، فإنها تخنس، أي : تتأخر عند سطوع حلاوة الشهود، وهي الجوار الكُنَّس ؛ لأنها تجري في تحصيل هواها عند الغفلة أو الفترة، وتستتر عند الذكر أو اليقظة، والليل إذا عسعس، أي : ليل القطيعة إذا أظلم على العبد برؤية وجوده ووقوفه مع عوائده، والصُبح، أي : صُبح الاستشراف على نهار المعرفة، إذا تنفَّس ثم تطلع شمسه شيئاً فشيئاً، إنه، أي : الوحي الإلهامي لَقَولُ رسول كريم وراد رباني، ذي قوة ؛ لأنه يأتي من حضرة قهّار قوي متين، فلا يُصادم شيئاً من المساوئ إلاّ دمغه، عند ذي العرش مكين، ولذلك تَمَكَّن صاحبه مع الحق، واكتسب مكانة عنده، حيث كان من المقرَّبين السابقين ؛ مطاع ثَمَّ أمين ؛ لأنّ الوارد الإلهي تجب طاعته ؛ لأنه يتجلّى من حضرة الحق، وهو أمين على ما يأتي به من العلوم، وما صاحبكم بمجنون، يعني العارف صاحب الواردات الإلهية، ولقد رآه، أي : رأى ربه بعين البصيرة والبصر، بالأُفق المبين، وهو على الأسرار والمعاني، حيث عرج بروحه من عالم الحس إلى عالم المعنى، أو : من عالم الأشباح إلى عالم الأرواح، وما هو على الغيب بضنين، أي : ليس العارف الذي يُخبر عن أسرار التوحيد الخاص بمُتَّهَم، ولا بخيل، بل يجود به على مَن يستحقه، وما هو بقول شيطان رجيم، إذ لم يبقَ لهم شيطان حتى يخلط وسوسته بواردات قلوبهم، فأين تذهبون عن اتباع طريقة الموصلة إلى حضرة الحق، إن هو إلا ذكر للعالمين، أي : ما جعله الله في كل زمان إلاّ ليُذَكِّر أهل زمانه، لمَن شاء أن يستقيم على طريق العبودية ويفضي إلى مشاهدة الربوبية، ولكن الأمر كله بيد الله، وما تشاؤون إلاّ أن يشاء الله رب العالمين. اللهم شِئنا بفضلك، واقصدنا بعنايتك، وخصنا برعايتك، واجعلنا ممن سبقت لهم العناية الكبرى، آمين.
وصلّى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين.