على ان المراد بالرسول هو جبريل ما بعده من ذكر قوته ونحوها وصفه برسول لانه رسول عن الله الى الأنبياء وبكريم اى على ربه عزيز عظيم عنده وكذا عند الناس لانه يجيئ بأفضل العطايا وهو المعرفة والهداية ويتعطف على المؤمنين ويقهر الأعداء ذِي قُوَّةٍ شديدة كقوله تعالى شديد القوى اى ذى قدرة على ما يكلف به لا عجز له ولا ضعف روى انه عليه السلام قال لجبريل ذكر الله قوتك فأخبرنى بشئ من آثارها قال رفعت قريات قوم لوط الأربع من الماء الأسود بقوادم جناحى حتى سمع اهل السماء نباح الكلب وأصوات الديكة ثم قلبتها ومن قوته انه صباح صيحة بثمود فأصبحوا جاثمين وانه يهبط من السماء الى الأرض ويصعد فى اسرع من الطرف وانه رأى ان شيطانا يقال له الأبيض صاحب الأنبياء قصد ان يتعرض للنبى فدفعه دفعة رفيقة وقع بها من مكة الى أقصى الهند وكذا راه يكلم عيسى عليه السلام على بعض الأرض المقدسة فنفخه نفخة واحدة ألقاه الى أقصى جبل الهند وقيل المراد القوة فى أداء طاعة الله وترك الإخلال بها من أول الخلق الى آخر زمان التكليف وفيه اشارة الى صفة الروح فانه ذو سلطنة على جميع الحقائق الكائنة فى المملكة الانسانية عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ اى الله تعالى وفى إيراد ذى العرش اخبار بغاية كبريائه فى القلوب وعند ظرف لما بعده فى قوله مَكِينٍ ذى مكانة رفيعة عند عندية إكرام وتشريف لا عندية مكان فانه تعالى متعال عن أمثالها ونحوه انا عند المنكسرة قلوبهم فان المراد به القرب والإكرام ومن مكانته عند الله ومرتبته انه تعالى جعله تالى نفسه فى قوله فان الله هو مولاه وجبريل فله عظم منزلة عندية فأين منزلة من يلازم السلطان عند سرير الملك من مرتبة من يلازمه عند الوضوء ونحوه مُطاعٍ فيما بين الملائكة المقربين يصدرون عن أمره ويرجعون الى رأيه لعلمهم بمنزلته عند الله قال فى فتح الرحمن ومن طاعتهم انهم فتحوا أبواب السماء ليلة المعراج بقوله لرسول الله ﷺ وطاعة جبريل فريضة على اهل السموات كما ان طاعة محمد عليه السلام فريضة على اهل الأرض وفيه اشارة الى ان الروح مطاع فيما بين القوى بالنسبة الى السر والقلب ثَمَّ أَمِينٍ على الوحى قد عصمه الله من الخيانة والزلل وثم بفتح الثاء ظرف مكان لما قبله اى مطاع هناك اى فى السموات وقيل لما بعده اى مؤتمن عند الله على وحيه ورسالاته الى الأنبياء فيكون اشارة الى عند الله وقرئ ثم بضم الثاء تعظيما لوصف الامانة وتفصيلا لها على سائر الأوصاف فيكون للتراخى الرتبى على طريق الترقي من صفاته الفاضلة الى ما هو أفضل وأعظم وهو الامانة (قال الكاشفى) واگر رسول كريم محمد باشد عليه السلام پس او صاحب قوت طاعت ونزديك خداى خداوند قدر ومكانتست ومطاع. يعنى مستجاب الدعوة ولذا قال له عمه أبو طالب ما أطوعك ربك يا محمد فقال له وأنت يا عم لو أطعته أطاعك وأمين يعنى بر اسرار غيب. وفيه اشارة الى ان الروح أمين فى افاضة الفيض اثر وحي على كل أحد بحسب استعداده الفطري وَما صاحِبُكُمْ يا اهل مكة وهو رسول الله ﷺ عطف على جواب القسم ولذا قال فى فتح الرحمن وهذا ايضا جواب القسم بِمَجْنُونٍ
صفحة رقم 351
كما تقولون والتعرض لعنوان المصاحبة للتلويح بإحاطتهم بتفاصيل أحواله عليه السلام خبرا وعلمهم بنزاهته عما نسبوه اليه بالكلية فانه كان بين أظهرهم فى مدد متطاولة وقد جربوا عقله فوجدوه أكمل الخلائق فيه ولقبوه بالأمين الصادق وقد استدل به على فضل جبرائيل على رسول الله حيث وصف جبريل بست خصال كل واحدة منها تدل على كمال الشرف ونباهة الشأن واقتصر فى ذكر رسول الله على نفى الجنون عنه وبين الذكرين تفاوت عظيم وهذا الاستدلال ضعيف إذا لمقصود رد قول الكفرة فى حقه عليه السلام يا أيها الذي نزل عليه الذكر انك لمجنون لا تعداد فضائلهما والموازنة بينهما على ان فى توصيف جبريل بهذه الصفات بيانا لشرف سيد المرسلين بالنسبة اليه من حيث ان جبريل مع هذه الصفات هو الذي يؤيده ويبلغ الرسالة اليه فأى رتبة أعلى من مرتبته بعد ما ثبت ان السفير بينه وبين ذى العرش مثل هذا الملك المقرب وقال سعدى المفتى الكلام مسوق لحقية المنزل دلالة على صدق ما ذكر فيه من اهوال القيامة على ما يدل عليه الفاء السببية فى قوله فلا اقسم ولا شك ان ذلك يقتضى وصف الآتي به فلذلك بولغ فيه دون وصف من انزل عليه فلذلك اقتصر فيه على نفى ما بهتوه وفيه اشارة لى ان الروح ليس بمجنون اى بمستور عن حقائق القرآن ودقائقه وأحكامه وشرائعه ووعده ووعيده بل هو مكشوف له بجميع أسراره وَلَقَدْ رَآهُ وبالله لقد رأى رسول الله جبريل وفى عين المعاني أبصره لاجنيا بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ أفق السماء ناحيتها والمبين من أبان اللازم بمعنى الظاهر بالفارسية روشن. اى بمطلع الشمس الا على من ناحية المشرق فالمراد بالأفق هنا حيث تطلع الشمس استدلالا بوصفه بالمبين فان نفس الأفق لا مدخل له فى تبين الأشياء وظهورها وانما يكون له مدخل فى ذلك من حيث كونه مطلعا لكوكب نير يبين الأشياء والكوكب المبين هو الشمس واسناد الإبانة الى مطلعها مجاز باعتبار سببيته لها فى الجملة فان البيان فى الحقيقة لضياء الطالع منه ثم خص من بين المطالع ما هو أعلى المطالع وأرفعها وهو المطلع الذي إذا طلعت الشمس منه تكون فى غاية الارتفاع والنهار فى غاية الطول والامتداد وذلك عتد ما تكون الشمس عند رأس السرطان قبيل تحولها الى برج الأسد وتوجه النهار الى الانتقاص وانما فعل ذلك حملا للمبين على الكمال فانه كلما كان الكوكب ارفع وأعلى وكلما كان النهار أطول كان البيان والإظهار أتم وأكمل روى ان رسول الله ﷺ سأل جبريل ان يترا اى له فى صورته التي خلقه الله عليها فقال ما اقدر على ذلك وما ذاك الى فاذن له فأتاه عليها وذلك فى جبل حرآء فى أوائل البعثة فرآه رسول الله قد ملأ الآفاق بكلكله رجلاه فى الأرض ورأسه فى السماء جناح له بالمشرق وجناح له بالمغرب وله ستمائة جناح من الزبرجد الأخضر فغشى عليه فتحول جبريل فى صورة بنى آدم وضمه الى نفسه وجعل يمسح الغبار عن وجهه فقيل لرسول الله ما رأيناك منذ بعثت أحسن منك اليوم فقال عليه السلام جاءنى جبريل فى صورته فعلق بي هذا من حسنه قالوا ما رآه أحد من الأنبياء غيره عليه السلام فى صورته التي جبل عليها فهو من خصائصه عليه السلام. واعلم ان وقوع الغشيان انما هو من
صفحة رقم 352روح البيان
إسماعيل حقي بن مصطفى الإستانبولي الحنفي الخلوتي , المولى أبو الفداء