ﯛﯜﯝﯞﯟ

وَجُعِلَتْ تِلْكَ الصِّفَةُ عَلَامَةً عَلَى أَنَّ الْمَرْئِيَّ مَلَكٌ وَلَيْسَ بِخَيَالٍ لِأَنَّ الْأَخْيِلَةَ الَّتِي يَتَخَيَّلُهَا الْمَجَانِينُ إِنَّمَا يَتَخَيَّلُونَهَا عَلَى الْأَرْضِ تَابِعَةً لَهُمْ عَلَى مَا تَعَوَّدُوهُ مِنْ وَقْتِ الصِّحَّةِ، وَقَدْ وَصَفَ النَّبِيءُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَلَكَ الَّذِي رَآهُ عِنْدَ نُزُولِ سُورَةِ الْمُدَّثِّرِ بِأَنَّهُ عَلَى كُرْسِيٍّ جَالِسٌ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ،
وَلِهَذَا تَكَرَّرَ ذِكْرُ ظُهُورِ الْمَلَكِ بِالْأُفُقِ فِي سُورَةِ النَّجْمِ [٥- ٩] فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوى ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوى وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلى ثُمَّ دَنا فَتَدَلَّى فَكانَ قابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنى إِلَى أَنْ قَالَ: أَفَتُمارُونَهُ عَلى مَا يَرى وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرى عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهى عِنْدَها جَنَّةُ الْمَأْوى [النَّجْم: ١٢- ١٥] الْآيَاتِ، قِيلَ: رَأَى النَّبِيءُ جِبْرِيلَ عَلَيْهِمَا السَّلَامُ بِمَكَّةَ مِنْ جِهَةِ جَبَلِ أَجْيَادٍ من شرقيّه.
[٢٤]
[سُورَة التكوير (٨١) : آيَة ٢٤]
وَما هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ (٢٤)
الضَّمِيرُ عَائِدٌ إِلَى صاحِبُكُمْ [التكوير: ٢٢] كَمَا يَقْتَضِيهِ السِّيَاقُ فَإِنَّ الْمُشْرِكِينَ لَمْ يَدَّعُوا أَنَّ جِبْرِيلَ ضَنِينٌ عَلَى الْغَيْبِ، وَإِنَّمَا ادَّعَوْا ذَلِكَ لِلنَّبِيءِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ظُلْمًا وَزُورًا، وَلِقُرْبِ الْمَعَادِ.
والْغَيْبِ: مَا غَابَ عَنْ عِيَانِ النَّاسِ، أَوْ عَنْ عِلْمِهِمْ وَهُوَ تَسْمِيَةٌ بِالْمَصْدَرِ. وَالْمُرَادُ مَا اسْتَأْثَرَ اللَّهُ بِعِلْمِهِ إِلَّا أَنْ يُطْلِعَ عَلَيْهِ بَعْضَ أَنْبِيَائِهِ، وَمِنْهُ وَحْيُ الشَّرَائِعِ، وَالْعِلْمُ بِصِفَاتِ اللَّهِ تَعَالَى وَشُؤُونِهِ، وَمُشَاهَدَةُ مَلَكِ الْوَحْيِ، وَتَقَدَّمَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ [٣].
وَكُتِبَتْ كَلِمَةُ بِضَنِينٍ فِي مَصَاحِفِ الْأَمْصَارِ بِضَادٍ سَاقِطَةٍ كَمَا اتَّفَقَ عَلَيْهِ الْقُرَّاءُ.
وَحُكِيَ عَنْ أَبِي عُبَيْدٍ، قَالَ الطَّبَرِيُّ: هُوَ مَا عَلَيْهِ مَصَاحِفُ الْمُسْلِمِينَ مُتَّفِقَةٌ وَإِنِ اخْتَلَفَتْ قِرَاءَتُهُمْ بِهِ.
وَفِي «الْكَشَّافِ» :«هُوَ فِي مُصْحَفِ أُبَيٍّ بِالضَّادِ وَفِي مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ بالظاء» وَقد اقْتصر الشَّاطِبِيُّ فِي مَنْظُومَتِهِ فِي الرَّسْمِ عَلَى رَسْمِهِ بِالضَّادِ إِذْ قَالَ:
وَالضَّادُ فِي بِضَنِينٍ تجمع الْبشر وَقَدِ اخْتَلَفَ الْقُرَّاءُ فِي قِرَاءَتِهِ فَقَرَأَهُ نَافِعٌ وَابْنُ عَامِرٍ وَعَاصِمٌ وَحَمْزَةُ وَأَبُو جَعْفَرٍ

صفحة رقم 160

وَخَلَفٌ وَرَوْحٌ عَنْ يَعْقُوبَ بِالضَّادِ السَّاقِطَةِ الَّتِي تَخْرُجُ مِنْ حَافَّةِ اللِّسَانِ مِمَّا يَلِي الْأَضْرَاسَ وَهِيَ الْقِرَاءَةُ الْمُوَافِقَةُ لِرَسْمِ الْمُصْحَفِ الْإِمَامِ.
وَقَرَأَهُ الْبَاقُونَ بِالظَّاءِ الْمُشَالَةِ الَّتِي تَخْرُجُ مِنْ طَرَفِ اللِّسَانِ وَأُصُولِ الثَّنَايَا الْعُلْيَا، وَذُكِرَ فِي «الْكَشَّافِ» أَنَّ النَّبِيءَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَرَأَ بِهِمَا، وَذَلِكَ مِمَّا لَا يَحْتَاجُ إِلَى التَّنْبِيهِ، لِأَنَّ الْقِرَاءَتَيْنِ مَا كَانَتَا مُتَوَاتِرَتَيْنِ إِلَّا وَقَدْ رُوِيَتَا عَنِ النَّبِيءِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
وَالضَّادُ وَالظَّاءُ حَرْفَانِ مُخْتَلِفَانِ وَالْكَلِمَاتُ الْمُؤَلَّفَةُ مِنْ أَحَدِهِمَا مُخْتَلِفَةُ الْمَعَانِي غَالِبًا إِلَّا نَحْوَ حُضَضٍ بِضَادَيْنِ سَاقِطَتَيْنِ وحظظ بِظَاءَيْنِ مُشَالَيْنِ وحضظ بِضَادٍ سَاقِطَةٍ بَعْدَهَا ظَاءٌ مُشَالَةٌ وَثَلَاثَتُهَا بِضَمِّ الْحَاءِ وَفَتْحِ مَا بَعْدَ الْحَاءِ. فَقَدْ قَالُوا: إِنَّهَا لُغَاتٌ فِي كَلِمَةٍ ذَاتِ مَعْنًى وَاحِدٍ وَهُوَ اسْمُ صَمْغٍ يُقَالُ لَهُ: خَوْلَانُ.
وَلَا شَكَّ أَن الَّذين قرأوه بِالظَّاءِ الْمُشَالَةِ مِنْ أَهْلِ الْقِرَاءَاتِ الْمُتَوَاتِرَةِ وَهُمُ ابْنُ كَثِيرٍ وَأَبُو عَمْرٍو وَالْكِسَائِيُّ وَرُوَيْسٌ عَنْ يَعْقُوبَ قَدْ رَوَوْهُ مُتَوَاتِرًا عَنِ النَّبِيءِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلِذَلِكَ فَلَا يَقْدَحُ فِي قِرَاءَتِهِمْ كَوْنُهَا مُخَالِفَةً لِجَمِيعِ نُسَخِ مَصَاحِفِ الْأَمْصَارِ لِأَنَّ تَوَاتُرَ الْقِرَاءَةِ أَقْوَى مِنْ تَوَاتُرِ الْخَطِّ إِنِ اعْتُبِرَ لِلْخَطِّ تَوَاتُرٌ.
وَمَا ذُكِرَ مِنْ شَرْطِ مُوَافَقَةِ الْقِرَاءَةِ لِمَا فِي مُصْحَفِ عُثْمَانَ لِتَكُونَ قِرَاءَةً صَحِيحَةً تَجُوزُ الْقِرَاءَةُ بِهَا، إِنَّمَا هُوَ بِالنِّسْبَةِ لِلْقِرَاءَاتِ الَّتِي لَمْ تُرْوَ متواترة كَمَا بَيناهُ فِي الْمُقَدِّمَةِ السَّادِسَةِ مِنْ مُقَدِّمَاتِ هَذَا التَّفْسِيرِ.
وَقَدِ اعْتَذَرَ أَبُو عُبَيْدَةَ عَنِ اتِّفَاقِ مَصَاحِفِ الْإِمَامِ عَلَى كِتَابَتِهَا بِالضَّادِ مَعَ وُجُودِ الِاخْتِلَافِ فِيهَا بَيْنَ الضَّادِ وَالظَّاءِ فِي الْقِرَاءَاتِ الْمُتَوَاتِرَةِ، بِأَنْ قَالَ: «لَيْسَ هَذَا بِخِلَافِ الْكِتَابِ لِأَنَّ الضَّادَ وَالظَّاءَ لَا يَخْتَلِفُ خَطُّهُمَا فِي الْمَصَاحِفِ إِلَّا بِزِيَادَةِ رَأْسِ إِحْدَاهُمَا عَلَى رَأْسِ الْأُخْرَى فَهَذَا قَدْ يَتَشَابَهُ وَيَتَدَانَى» اهـ.
يُرِيدُ بِهَذَا الْكَلَامِ أَنَّ مَا رُسِمَ فِي الْمُصْحَفِ الْإِمَامِ لَيْسَ مُخَالَفَةً مِنْ كُتَّابِ الْمَصَاحِفِ لِلْقِرَاءَاتِ الْمُتَوَاتِرَةِ، أَيْ أَنَّهُمْ يُرَاعُونَ اخْتِلَافَ الْقِرَاءَاتِ الْمُتَوَاتِرَةِ فَيَكْتُبُونَ بَعْضَ نُسَخِ الْمَصَاحِفِ عَلَى اعْتِبَارِ اخْتِلَافِ الْقِرَاءَاتِ وَهُوَ الْغَالِب. وَهَاهُنَا اشْتَبَهَ الرَّسْمُ فَجَاءَتِ الظَّاءُ دَقِيقَةَ الرَّأْسِ.
وَلَا أَرَى لِلِاعْتِذَارِ عَنْ ذَلِكَ حَاجَةً لِأَنَّهُ لَمَّا كَانَتِ الْقِرَاءَتَانِ مُتَوَاتِرَتَيْنِ عَنِ

صفحة رقم 161

النَّبِيءِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اعْتَمَدَ كُتَّابُ الْمَصَاحِفِ عَلَى إِحْدَاهُمَا وَهِيَ الَّتِي قَرَأَ بِهَا جُمْهُورُ الصَّحَابَةِ وَخَاصَّةً عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ، وَأَوْكَلُوا الْقِرَاءَةَ الْأُخْرَى إِلَى حفظ القارئين.
وَإِذ تَوَاتَرَتْ قِرَاءَةُ بِضَنِينٍ بِالضَّادِ السَّاقِطَةِ، وبظنين بِالظَّاءِ الْمُشَالَةِ عَلِمْنَا أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَهُ بِالْوَجْهَيْنِ وَأَنَّهُ أَرَادَ كِلَا الْمَعْنَيَيْنِ.
فَأَمَّا مَعْنَى «ضَنِينٍ» بِالضَّادِ السَّاقِطَةِ فَهُوَ الْبَخِيلُ الَّذِي لَا يُعْطِي مَا عِنْدَهُ مُشْتَقٌّ مِنَ الضَّنِّ بِالضَّادِ مَصْدَرُ ضَنَّ، إِذا بَخِلَ، وَمُضَارِعُهُ بِالْفَتْحِ وَالْكَسْرِ.
فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ عَلَى مَعْنَاهُ الْحَقِيقِيِّ، أَيْ وَمَا صَاحِبُكُمْ بِبَخِيلٍ أَيْ بِمَا يُوحَى إِلَيْهِ وَمَا يُخْبِرُ بِهِ عَنِ الْأُمُورِ الْغَيْبِيَّةِ طَلَبًا لِلِانْتِفَاعِ بِمَا يُخْبِرُ بِهِ بِحَيْثُ لَا يُنْبِئُكُمْ عَنْهُ إِلَّا بِعِوَضٍ تُعْطُونَهُ، وَذَلِكَ كِنَايَةٌ عَنْ نَفْيِ أَنْ يَكُونَ كَاهِنًا أَوْ عَرَّافًا يَتَلَقَّى الْأَخْبَارَ عَنِ الْجِنِّ إِذْ كَانَ الْمُشْرِكُونَ يَتَرَدَّدُونَ عَلَى الْكُهَّانِ وَيَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ يُخْبِرُونَ بِالْمُغَيَّبَاتِ، قَالَ تَعَالَى: وَما هُوَ بِقَوْلِ شاعِرٍ قَلِيلًا مَا تُؤْمِنُونَ وَلا بِقَوْلِ كاهِنٍ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ [الحاقة: ٤١- ٤٢] فَأَقَامَ لَهُمُ الْفَرْقَ بَيْنَ حَالِ الْكُهَّانِ وَحَالِ النَّبِيءِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْإِشَارَةِ إِلَى أَنَّ النَّبِيءَ لَا يَسْأَلُهُمْ عِوَضًا عَمَّا يُخْبِرُهُمْ بِهِ وَأَنَّ الْكَاهِنَ يَأْخُذُ عَلَى مَا يُخْبِرُ بِهِ مَا يُسَمُّونَهُ حُلْوَانًا، فَيَكُونُ هَذَا الْمَعْنَى مِنْ قَبِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: قُلْ مَا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ [الْفرْقَان: ٥٧] قُلْ لَا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً [الْأَنْعَام: ٩٠] وَنَحْوِ ذَلِكَ.
وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ «ضَنِينٍ» مَجَازًا مُرْسَلًا فِي الْكِتْمَانِ بِعَلَاقَةِ اللُّزُومِ لِأَنَّ الْكِتْمَانَ بُخْلٌ بِالْأَمْرِ الْمَعْلُومِ لِلْكَاتِمِ، أَيْ مَا هُوَ بِكَاتِمٍ الْغَيْبَ، أَيْ مَا يُوحَى إِلَيْهِ، وَذَلِكَ أَنَّهُمْ كَانُوا يَقُولُونَ: ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ [يُونُس: ١٥] وَقَالُوا: وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنا كِتاباً نَقْرَؤُهُ [الْإِسْرَاء: ٩٣].
وَيَتَعَلَّقُ عَلَى الْغَيْبِ بِقَوْلِهِ: بِضَنِينٍ وَحَرْفُ (عَلَى) عَلَى هَذَا الْوَجْهِ بِمَعْنَى الْبَاءِ مِثْلَ قَوْلِهِ تَعَالَى: حَقِيقٌ عَلى أَنْ لَا أَقُولَ عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ [الْأَعْرَاف: ١٠٥] أَيْ حَقِيقٌ بِي، أَوْ لِتَضْمِينِ «ضَنِينٍ» مَعْنَى حَرِيصٍ، وَالْحِرْصُ: شِدَّةُ الْبُخْلِ وَمَا مُحَمَّدٌ بِكَاتِمٍ شَيْئًا مِنَ الْغَيْبِ فَمَا أَخْبَرَكُمْ بِهِ فَهُوَ عَيْنُ مَا أَوْحَيْنَاهُ إِلَيْهِ. وَقَدْ يَكُونُ الْبَخِيلُ عَلَى هَذِهِ كِنَايَةً عَنْ كَاتِمٍ وَهُوَ كِنَايَةٌ بِمَرْتَبَةٍ أُخْرَى

صفحة رقم 162

تحرير المعنى السديد وتنوير العقل الجديد من تفسير الكتاب المجيد

عرض الكتاب
المؤلف

محمد الطاهر بن عاشور

الناشر الدار التونسية للنشر
سنة النشر 1403
عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير
اللغة العربية