ﮍﮎﮏﮐﮑﮒ

كلاَّ ردع وزجر عن الكسب الرائن إِنهم عن ربهم يومئذٍ لمحجوبون لَمَّا رانت قلوبهم في الدنيا حُجبوا عن الرؤية في الآخرة، بخلاف المؤمنين، لَمّا صفت مرآة قلوبهم حتى عرفوا الحق كشف لهم يوم القيامة عن وجهه الكريم. قال مالك : لَمّا حجب الله أعداءه فلم يروه تجلّى لأوليائه حتى رأوه. ه. وقال الشافعي : في هذه الآية دلالة على أنَّ أولياء الله يرونه. ه. وقال الزجاج : في هذه الآية دليل أن الله يُرى يوم القيامة، ولولا ذلك ما كان في هذه الآية فائدة، ولمَا خصّصت منزلة الكفار بأنهم محجوبون عن الله. انظر الحاشية.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:الإشارة : التطفيف يكون في الأعمال والأحوال، كما يكون في الأموال، فالتطفيف في الأعمال عدم إتقانها شرعاً، ولذلك قال ابن مسعود وسلمان رضي الله عنهما : الصلاة مكيال، فمَن وَفَّى وُفِّي له، ومَن طفَّف فقد علمتم ما قال الله في المطففين. هـ. فكل مَن لم يُتقن عملَه فعلاً وحضوراً فهو مطفف فيه. والتطفيف في الأحوال : عدم تصفية القصد فيها، أو بإخراجها عن منهاج الشريعة، قال تعالى : ويل للمطففين الذين إذا اكتالوا على الناس يستوفون... الخ، قال القشيري : يُشير إلى المقصّرين في الطاعة والعبادة، الطالبين كمال الرأفة والرحمة، الذين يستوفون من الله مكيال أرزاقهم بالتمام، ويكيلون له مكيال الطاعة بالنقص والخسران، ذلك خسران مبين، ألا يظن أولئك أنهم مبعوثون ليوم عظيم المشهد، مهيب المحضر، فلذلك فسدت أعمالهم واعتقادهم. هـ. يوم يقوم الناس لرب العالمين، يوم يكثر فيه الهول، ويعظم فيه الخطب على المقصّرين، وتظهر فيه كرامة المجتهدين ووجاهة العارفين.
كلاَّ ليرتدع المقصّر عن تقصيره ؛ لئلا ينخرط في سلك الفجار، إن كتاب الفجّار لفي سجين المراد بالكتاب هنا : كتاب الأزل، وهو ما كتب لهم من الشقاوة قبل كونهم، قال صلى الله عليه وسلم :" السعيد مَن سعد في بطن أمه، والشقي مَن شقي في بطن أمه " ١ و وما أدراك ما سجين فيه كتاب مرقوم لأهل الشقاء شقاوتهم. ويل يومئذ للمُكَذِّبين بالحق وبالدالين عليه، الذين يُكَذِّبون بيوم الدين وهم أهل النفوس المقبلين على الدنيا بكليتهم، وما يُكَذِّب به إلاّ كل معتد أثيم ؛ متجاوز عن الذوق والوجدان، محروم من الكشف والعيان، إذا تُتلى عليه آياتنا الدالة علينا قال أساطير الأولين أي : إذا سمع الوعظ والتذكير من الدالين على الله قال : خرافات الأولين. وسبب ذلك : الرانُ الذي ينسج على قلبه، كما قال تعالى : كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون لمّا رانت قلوبهم، وتراكمت عليها الحظوظ والهوى، حُجبوا عن شهود الحق في الدنيا، ودام حجابهم في العقبى إلاَّ في أوقات قليلة، قال الحسن بن الفضل : كما حجبهم في الدنيا عن توحيده حجبهم في الآخرة عن رؤيته. هـ. قال الواسطي : الكُفار في حجابٍ لا يرونه البتة، والمؤمنون في حجاب يرونه في وقتٍ دون وقت. هـ. أي : والعارفون يرونه كل وقت، ثم قال : ولا حجاب له غيره، وليس يسعه سواه، ما اتصلت بشريةٌ بربوبيته قط، ولا فارقت عنه. هـ.
وقال في الإحياء : النزوع إلى الدنيا يَحجب عن لقاء الله تعالى، وعند الحجاب تتسلط عليهم نار جهنم، إذ النار غير متسلطة إلاّ على محجوب، قال تعالى : كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون ثم إنهم لصالو الجحيم فرتَّب العذاب بالنار على ألم الحجاب، وألم الحجاب كافٍ من غير عِلاوة النار، فكيف إذا أضيفت العلاوة إليه ! هـ. وقد رتَّب الحجاب على الران والصدأ المانع من كشف الحقيقة، فكل من طهّر قلبه من ران الهوى، وغسله بأنوار الذكر والفكر لاحت له أنوار المشاهدة وأسرار الحضرة، حتى يشاهد الحق في الدنيا والآخرة، ويكون من المقربين أهل عليين، وكل مَن بقي مع حظوظ هواه حتى غلب على قلبه رانُ الشهوات بقي محجوباً في الدارين من عامة اليمين. وأنواع الران التي تحجب عن الشهود ست : ران الكفر، وران العصيان، وران الغفلة، وران حلاوة الطاعات، وران حس الكائنات، فإذا تصفّى من هذه كلها أفضى إلى مقام العيان، ولا طريق لرفع الران بالكلية إلاَّ بصُحبة المشايخ العارفين. وبالله التوفيق.


البحر المديد في تفسير القرآن المجيد

عرض الكتاب
المؤلف

أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير