ﮃﮄﮅ ﮇﮈﮉ ﮋﮌﮍ ﮏﮐﮑ ﮓﮔﮕ ﮗﮘ ﮚﮛﮜﮝ

ثم بيّن وقت الرجع فقال:
(يَوْمَ تُبْلَى السَّرائِرُ) أي هو قادر على أن يعيد الإنسان إلى الحياة فى اليوم الذي تنكشف فيه السرائر، وتتضح الضمائر، ويتميز الطيب من الخبيث، فلا يبقى فى سريرة سرّ، بل تنقلب كل خفيّة إلى الجهر، ولا يكون جدال ولا حجاج، ولا يبقى لذوى الأعمال إلا انتظار الجزاء على ما قدموا، فإما حلول فى نعيم، وإما مصير إلى عذاب أليم.
(فَما لَهُ مِنْ قُوَّةٍ وَلا ناصِرٍ) أي فلا تكون لأحد قوة على الإفلات مما قدّر له جزاء عمله إن كان مسيئا، ولا ناصر ينصره فيحميه مما حتم أن يقع عليه.
والخلاصة- إن القوة التي بها يدافع الإنسان عن نفسه، إما من ذاته وقد نفاها بقوله: «فَما لَهُ مِنْ قُوَّةٍ» وإما من غيره وقد نفاها بقوله: «وَلا ناصِرٍ».
[سورة الطارق (٨٦) : الآيات ١١ الى ١٧]
وَالسَّماءِ ذاتِ الرَّجْعِ (١١) وَالْأَرْضِ ذاتِ الصَّدْعِ (١٢) إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ (١٣) وَما هُوَ بِالْهَزْلِ (١٤) إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْداً (١٥)
وَأَكِيدُ كَيْداً (١٦) فَمَهِّلِ الْكافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْداً (١٧)
شرح المفردات
الرجع: إعادة الشيء إلى حال أو مكان كان فيه أوّلا، والمراد به المطر، وسمى بذلك لكونه يعاد إلى الأرض من السماء، والصدع: الشق الناشئ من تفرق بعض أجزاء الأرض وانفصال بعضها من بعض بالنبات، فصل: أي يفصل بين الحق والباطل، ويقطع الجدل والمراء، يكيدون كيدا: أي يعملون المكايد فى إبطال أمره، وإطفاء نوره، وأكيد كيدا: أي أقابلهم بكيدى فى إعلاء أمره، وانتشار نوره، رويدا: أي قريبا.

صفحة رقم 116

المعنى الجملي
بعد أن بين قدرته تعالى على إعادة الإنسان بعد الموت، ولفت النظر إلى التدبر فى برهان هذه القدرة- شرع يثبت صحة رسالة رسوله الكريم إلى الناس، وصحة ما يأتيهم به من عند الله، وأهمّ ذلك القرآن الكريم الذي كانوا يقولون عنه: إنه أساطير الأولين، فأقسم بالسماء التي تفيض بمائها، والأرض التي تقيم أمور المعاش للناس والحيوان بنباتها، إنه لقول حق لا ريب فيه.
ثم بين أنه عليم بأن الذين يدافعون عن تلك الأباطيل التي هم عليها- قوم ما كرون لا يريدون بك إلا السوء، وسيأتيهم العذاب من حيث لا يشعرون، فلا يحزنك ما ترى منهم، ولا تستبطئ حلول النكال بهم، بل أمهلهم قليلا وسترى ما سيحل بهم.
ولا يخفى ما هذا من وعيد شديد بأن ما سيصيبهم قريب، سواء أكان فى الحياة الدنيا أو فيما بعد الموت، ووعد للنبى صلى الله عليه وسلم، ولكل داع إلى الحق بأنهم سيبلغون من النجاح ما يستحقه عملهم، وأن المناوئين لهم هم الخاسرون.
الإيضاح
(وَالسَّماءِ ذاتِ الرَّجْعِ) أي قسما بالسماء ذات المطر، وهو أنفع شىء ينتظره المخاطبون من السماء، إذ يبدّل جدبهم خصبا، ويعيد موات أرضهم حيّا، ويصير به لهب صحرائهم هواء عليلا.
(وَالْأَرْضِ ذاتِ الصَّدْعِ) أي والأرض التي تتصدع بالنبات والشجر والثمار مما به حياتهم وحياة أنعامهم، وهم فى بلاد قفراء جدباء.
ونظير هذا قوله: «ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا» الآية.
ثم ذكر المقسم عليه فقال:
(إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ. وَما هُوَ بِالْهَزْلِ) أي قسما بالسماء والأرض إن هذا القول الذي

صفحة رقم 117

جاءكم به محمد ﷺ لقول حق لا مجال للريب فيه، وهو جدّ لا هزل فيه فمن حقه أن يهتدى به الغواة، وتخضع له رقاب العتاة.
أخرج الترمذي والدارمي عن علىّ كرم الله وجهه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إنها ستكون فتنة، قلت: فما المخرج منها يا رسول الله؟ قال:
كتاب الله، فيه نبأ من قبلكم، وخبر ما بعدكم، وحكم ما بينكم، هو الفصل ليس بالهزل، من تركه من جبار قصمه الله، ومن ابتغى الهدى فى غيره أضله الله، وهو حبل الله المتين، وهو الذكر الحكيم، وهو الصراط المستقيم. هو الذي لا تزيغ فيه الأهواء، ولا تشبع منه العلماء، ولا تلتبس به الألسن، ولا يخلق على كثرة الردّ، ولا تنقضى عجائبه. هو الذي لم تنته الجن لما سمعته أن قالوا: «إِنَّا سَمِعْنا قُرْآناً عَجَباً يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ»
من قال به صدق، ومن حكم به عدل، ومن عمل به أجر، ومن هدى به هدى إلى صراط مستقيم».
ثم بين ما يدبرونه للمؤمنين وما تحويه صدورهم من غلّ لهم فقال:
(إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْداً) أي إنهم يمكرون بالناس بدعوتهم إلى مخالفة القرآن بإلقاء الشبهات كقولهم: «إِنْ هِيَ إِلَّا حَياتُنَا الدُّنْيا» قولهم: «مَنْ يُحْيِ الْعِظامَ وَهِيَ رَمِيمٌ؟» أو بالطعن فيه بكون الرسول ساحرا أو مجنونا أو شاعرا، أو تبييتهم قتله، كما جاء فى قوله: «وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ».
بعدئذ ذكر ما قابلهم ربهم به وما جازاهم عليه كفاء عملهم فقال:
(وَأَكِيدُ كَيْداً) أي وأقابل كيدهم بنصر الرسول وإعلاء دينه، وجعل كلمته العليا وكلمة الذين كفروا السفلى، وقد سمى مجازاتهم كيدا منه، للتجانس فى اللفظ كما قال: «نَسُوا اللَّهَ فَأَنْساهُمْ أَنْفُسَهُمْ». وقال عمرو بن كلثوم:

صفحة رقم 118

ثم أمر رسوله أن يتأنى عليهم، ليرى أخذه تعالى لهم فقال:
(فَمَهِّلِ الْكافِرِينَ) أي سر فى دعوتك ولا تستعجل عذابهم، فإنا سنمهلهم ليزدادوا إثما، حتى إذا أخذناهم لم يبق لهم من راحم.
ثم أكد طلب الإمهال وأقته بوقت قريب فقال:
(أَمْهِلْهُمْ رُوَيْداً) أي إنا سنمهلهم قليلا، وسترى ما يحل بهم من العذاب والنكال.
وفى هذا بعث للطمأنينة إلى قلوب المؤمنين الذين كانوا يخشون صولة الكفار ويحذرون اعتداءاتهم التي لا حد لها، وتخويف لهم من عاقبة إصرارهم على ما هم فيه من الكفر والمشاقّة لله ورسوله وللمؤمنين.
ونحو الآية قوله: «نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلًا ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلى عَذابٍ غَلِيظٍ».
وصلّ ربنا على محمد وآله، وقنا عذاب الجحيم.
مقاصد السورة
(١) إن كل نفس عليها حافظ.
(٢) إقامة الأدلة على أن الله قادر على بعث الخلق كرة أخرى.
(٣) إن القرآن منزل من عند الله وأن محمدا رسول الله.
(٤) أمر الرسول ﷺ بالانتظار حتى يحل العقاب بالكافرين.

صفحة رقم 119

تفسير المراغي

عرض الكتاب
المؤلف

أحمد بن مصطفى المراغي

الناشر شركة مكتبة ومطبعة مصطفى البابى الحلبي وأولاده بمصر
الطبعة الأولى، 1365 ه - 1946 م
عدد الأجزاء 30
التصنيف التفسير
اللغة العربية
ألا لا يجهلن أحد علينا فنجهل فوق جهل الجاهلينا