ﭳﭴﭵﭶ ﭸﭹﭺ ﭼﭽﭾﭿﮀﮁ

نُمُوُّهَا انْفَجَرَتْ فَخَرَجَتِ الْبَيْضَةُ فِي قَنَاةٍ تَبْلُغُ بِهَا إِلَى تَجْوِيفِ الرَّحِمِ، وَإِنَّمَا يَتِمُّ بُلُوغُ الْبَيْضَةِ النُّمُوَّ وَخُرُوجُهَا مِنَ الْحُوَيْصَلَةِ فِي وَقْتِ حَيْضِ الْمَرْأَةِ فَلِذَلِكَ يَكْثُرُ الْعُلُوقُ إِذَا بَاشَرَ الرَّجُلُ الْمَرْأَةَ بِقُرْبِ انْتِهَاءِ حَيْضِهَا.
وَأَصْلُ مَادَّةِ كِلَا الْمَاءَيْنِ مَادَّةٌ دَمَوِيَّةٌ تَنْفَصِلُ عَنِ الدِّمَاغِ وَتَنْزِلُ فِي عِرْقَيْنِ خَلْفَ الْأُذُنَيْنِ، فَأَمَّا فِي الرَّجُلِ فَيَتَّصِلُ الْعِرْقَانِ بِالنُّخَاعِ، وَهُوَ الصُّلْبُ ثُمَّ يَنْتَهِي إِلَى عِرْقٍ يُسَمَّى الْحَبْلَ الْمَنَوِيَّ مُؤَلَّفٍ مِنْ شَرَايِينَ وَأَوْرِدَةٍ وَأَعْصَابٍ وَيَنْتَهِي إِلَى الْأُنْثَيَيْنِ وَهُمَا الْغُدَّتَانِ اللَّتَانِ تُفْرِزَانِ الْمَنِيَّ فَيَتَكَوَّنُ هُنَالِكَ بِكَيْفِيَّةٍ دُهْنِيَّةٍ وَتَبْقَى مُنْتَشِرَةً فِي الْأُنْثَيَيْنِ إِلَى أَنْ تُفْرِزَهَا الْأُنْثَيَانِ مَادَّةً دُهْنِيَّةً شَحْمِيَّةً وَذَلِكَ عِنْدَ دَغْدَغَةِ وَلَذْعِ الْقَضِيبِ الْمُتَّصِلِ بِالْأُنْثَيَيْنِ فَيَنْدَفِقُ فِي رَحِمِ الْمَرْأَةِ.
وَأَمَّا بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْمَرْأَةِ فَالْعِرْقَانِ اللَّذَانِ خَلْفَ الْأُذُنَيْنِ يَمُرَّانِ بِأَعْلَى صَدْرِ الْمَرْأَةِ وَهُوَ التَّرَائِبُ لِأَن فِيهِ مَوضِع الثَّدْيَيْنِ وَهُمَا مِنَ الْأَعْضَاءِ الْمُتَّصِلَةِ بِالْعُرُوقِ الَّتِي يَسِيرُ فِيهَا دَمُ الْحَيْضِ الْحَامِلُ لِلْبُوَيْضَاتِ الَّتِي مِنْهَا النَّسْلُ، وَالْحَيْضُ يَسِيلُ مِنْ فُوَّهَاتِ عُرُوقٍ فِي الرَّحِمِ، وَهِيَ عُرُوقٌ تَنْفَتِحُ عِنْدَ حُلُولِ إِبَّانِ الْمَحِيضِ وَتَنْقَبِضُ عَقِبَ الطُّهْرِ. وَالرَّحِمُ يَأْتِيهَا عَصَبٌ مِنَ الدِّمَاغِ.
وَهَذَا مِنَ الْإِعْجَازِ الْعِلْمِيِّ فِي الْقُرْآنِ الَّذِي لَمْ يَكُنْ عِلْمٌ بِهِ لِلَّذِينَ نَزَلَ بَيْنَهُمْ، وَهُوَ إِشَارَةٌ مُجْمَلَةٌ وَقَدْ بَيَّنَهَا
حَدِيثُ مُسْلِمٍ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ وَعَائِشَةَ: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سُئِلَ عَنِ احْتِلَامِ الْمَرْأَةِ، فَقَالَ: تَغْتَسِلُ إِذَا أَبْصَرَتِ الْمَاءَ فَقِيلَ لَهُ: أَتَرَى الْمَرْأَةُ ذَلِكَ فَقَالَ: «وَهَلْ يَكُونُ الشَّبَهُ إِلَّا مِنْ قِبَلِ ذَلِكَ إِذَا عَلَا مَاءُ الْمَرْأَةِ مَاءَ الرَّجُلِ أَشْبَهَ الْوَلَدُ أَخْوَالَهُ وَإِذَا عَلَا مَاءُ الرَّجُلِ مَاءَهَا أشبه أَعْمَامه».
[٨- ١٠]
[سُورَة الطارق (٨٦) : الْآيَات ٨ إِلَى ١٠]
إِنَّهُ عَلى رَجْعِهِ لَقادِرٌ (٨) يَوْمَ تُبْلَى السَّرائِرُ (٩) فَما لَهُ مِنْ قُوَّةٍ وَلا ناصِرٍ (١٠)
اسْتِئْنَاف بياني ناشىء عَنْ قَوْلِهِ: فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسانُ مِمَّ خُلِقَ [الطارق: ٥] لِأَنَّ السَّامِعَ يَتَسَاءَلُ عَنِ الْمَقْصِدِ مِنْ هَذَا الْأَمْرِ بِالنَّظَرِ فِي أَصْلِ الْخِلْقَةِ، وَإِذْ قَدْ كَانَ ذَلِكَ النَّظَرُ نَظَرَ اسْتِدْلَالٍ فَهَذَا الِاسْتِئْنَافُ الْبَيَانِيُّ لَهُ يَتَنَزَّلُ مَنْزِلَةَ نَتِيجَةِ الدَّلِيلِ، فَصَارَ

صفحة رقم 264

الْمَعْنَى: إِنَّ الَّذِي خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ قَادِرٌ عَلَى إِعَادَةِ خَلْقِهِ بِأَسْبَابٍ أُخْرَى وَبِذَلِكَ يَتَقَرَّرُ إِمْكَانُ إِعَادَةِ الْخَلْقِ وَيَزُولُ مَا زَعَمَهُ الْمُشْرِكُونَ مِنِ اسْتِحَالَةِ تِلْكَ الْإِعَادَةِ.
وَضَمِيرُ إِنَّهُ عَائِدٌ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى وَإِنْ لَمْ يَسْبِقْ ذِكْرٌ لِمَعَادٍ وَلَكِنَّ بِنَاءَ الْفِعْلِ لِلْمَجْهُولِ فِي قَوْلِهِ: خُلِقَ مِنْ ماءٍ دافِقٍ [الطارق: ٦] يُؤْذِنُ بِأَنَّ الْخَالِقَ مَعْرُوفٌ لَا يُحْتَاجُ إِلَى ذِكْرِ اسْمِهِ، وَأُسْنِدَ الرّجع إِلَى ضَمِيره دُونَ سُلُوكِ طَرِيقَةِ الْبِنَاءِ لِلْمَجْهُولِ كَمَا فِي قَوْلِهِ: خُلِقَ لِأَنَّ الْمَقَامَ مَقَامُ إِيضَاحٍ وَتَصْرِيحٍ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ فَاعِلُ ذَلِكَ.
وَضَمِيرُ رَجْعِهِ عَائِدٌ إِلَى الْإِنْسانُ ٥ [الطارق: ٥].
وَالرَّجْعُ: مَصْدَرُ رَجَعَهُ الْمُتَعَدِّي. وَلَا يُقَالُ فِي مَصْدَرِ رَجَعَ الْقَاصِرِ إِلَّا الرُّجُوعُ.
ويَوْمَ تُبْلَى السَّرائِرُ مُتَعَلِّقٌ بِ رَجْعِهِ أَيْ يَرْجِعُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ.
والسَّرائِرُ: جَمْعُ سَرِيرَةٍ وَهِيَ مَا يُسِرُّهُ الْإِنْسَانُ وَيُخْفِيهِ مِنْ نَوَايَاهُ وَعَقَائِدِهِ.
وَبَلْوُ السَّرَائِرِ، اخْتِبَارُهَا وَتَمْيِيزُ الصَّالِحِ مِنْهَا عَنِ الْفَاسِدِ، وَهُوَ كِنَايَةٌ عَنِ الْحِسَابِ عَلَيْهَا وَالْجَزَاءِ، وَبَلْوُ الْأَعْمَالِ الظَّاهِرَةِ وَالْأَقْوَالِ مُسْتَفَادٌ بِدَلَالَةِ الْفَحْوَى مِنْ بَلْوِ السَّرَائِرِ.
وَلَمَّا كَانَ بَلْوُ السَّرَائِرِ مُؤْذِنًا بِأَنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَسْتُرُهُ النَّاسُ مِنَ الْجَرَائِمِ وَكَانَ قَوْلُهُ:
يَوْمَ تُبْلَى السَّرائِرُ مُشْعِرًا بِالْمُؤَاخَذَةِ عَلَى الْعَقَائِدِ الْبَاطِلَةِ وَالْأَعْمَالِ الشَّنِيعَةِ فُرِّعَ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: فَما لَهُ مِنْ قُوَّةٍ وَلا ناصِرٍ، فَالضَّمِيرُ عَائِدٌ إِلَى الْإِنْسانُ [الطارق: ٥]. وَالْمَقْصُودُ، الْمُشْرِكُونَ مِنَ النَّاسِ لِأَنَّهُمُ الْمَسُوقُ لِأَجْلِهِمْ هَذَا التَّهْدِيدُ، أَيْ فَمَا لِلْإِنْسَانِ الْمُشْرِكِ مِنْ قُوَّةٍ يَدْفَعُ بِهَا عَنْ نَفْسِهِ وَمَا لَهُ مِنْ نَاصِرٍ يدافع عَنهُ.

صفحة رقم 265

تحرير المعنى السديد وتنوير العقل الجديد من تفسير الكتاب المجيد

عرض الكتاب
المؤلف

محمد الطاهر بن عاشور

الناشر الدار التونسية للنشر
سنة النشر 1403
عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير
اللغة العربية