المعنى الجملي : بعد أن بين سبحانه أن الإنسان لم يترك سدى، ولم يخلق عبثا نبهه إلى الدليل الواضح على صحة معاده، وأنه لا بد أن يرجع إلى ربه ليجازيه على ما عمل، فذكره بنفسه، ولفت نظره إلى كيفية خلقه ومنشئه، وأنه خلق من الماء الدافق الذي لا تصوير فيه، ولا تقدير للآلات التي يظهر فيها عمل الحياة كالأعضاء وغيرها، ثم أنشأه خلقا كاملا مملوءا بالحياة والعقل والإدراك، قادرا على القيام بالخلافة في الأرض.
فالذي خلقه على هذه الأوضاع قادر أن يعيده إلى الحياة في يوم تتكشف فيه المستورات، وتبين الخفايا، فيكون إبداؤها زينا في وجوه بعض الناس، وشينا في وجوه بعض آخرين، وليس للمرء حينئذ قوة يدفع بها عن نفسه ما يحل به من العذاب. ولا ناصر يعينه على الخلاص من الآلام.
شرح المفردات : تبلى : أي تختبر وتمتحن ؛ والمراد تظهر، والسرائر : ما يسر في القلوب من العقائد والنيات وما خفي من الأعمال، واحدها سريرة، قال الأحوص :
سيبقى لها في مضمر القلب والحشا سريرة ودّ يوم تبلى السرائر
ثم بين وقت الرجع فقال :
يوم تبلى السرائر أي هو قادر على أن يعيد الإنسان إلى الحياة في اليوم الذي تنكشف فيه السرائر، وتتضح الضمائر، ويتميز الطيب من الخبيث، فلا يبقى في سريرة سر، بل تنقلب كل خفية إلى الجهر، ولا يكون جدال ولا حجاج، ولا يبقى لذوي الأعمال إلا انتظار الجزاء على ما قدموا، فإما حلول في نعيم، وإما مصير إلى عذاب أليم.
تفسير المراغي
المراغي