وقوله تعالى : إلاَّ ما شاء اللهُ : استثناء مفرغ من أعم المفاعيل، أي : فلا تنسى شيئاً من الأشياء إلاَّ ما شاء الله أن تنساه ؛ بأن ننسخ تلاوته، وهذا إشارة من الله لنبيه أن يحفظ عليه الوحي، فلا يتفلت منه شيءٌ، إلاَّ ما شاء الله نسخه، فيذهب به عن حفظه، ويرفع حُكمه وتلاوته. قال الكواشي : إلاَّ ما شاء اللهُ أن ننسيكه على سبيل النسخ، أو تنساه ثم تذكره بعد. رُوي أنه صلى الله عليه وسلم أسقط آية في الصلاة، فظنّ أُبي أنها نُسخت، فسأله، فقال :" نسيتها " ١، قال الشيخ السنوسي : والمحققون على منع النسيان لشيءٍ من الأقوال البلاغية قبل التبليغ، لإجماع السلف، وأما بعد التبليغ، فجائز ؛ لأنه من الأعراض البشرية. ه. وفي الحديث :" إنما أنا بشَرٌ، أنسى كما تَنْسَوْن، فإذا نسيتُ فذكِّروني " ٢ الحديث. فالسهو في حق الأنبياء جائز، لأنه من قهرية الربوبية، لتتميز به العبودية من الربوبية، فليس بنقصٍ في حقهم، بل كما، ليحصل التشريع والاقتداء. وقيل :" لا " ناهية، وإثبات الألف للفاصلة، كقوله : السَّبِيلاْ [ الأحزاب : ٦٧ ] أي : لا تغفل عن قراءته وتكراره فتنساه، إلاَّ ما شاء الله أن ينسيك برفع تلاوته، وهو ضعيف.
إِنه يعلم الجهرَ وما يخفى أي : يعلم ما ظهر وما بطن، التي من جملتها ما أوحى إليك، فينسى ما شاء اللهُ إنساءه، ويبقى محفوظاً ما شاء إبقاؤه، أو : يعلم جهرك بالقراءة مع قراءة جبريل مخافة التفلُّت، وما في نفسك مما يدعوك إلى الجهر، أو : ما تقرأ في نفسك مخافة النسيان، وما تجهر به، أو : يعلم ما أعلنتم وما أسررتم من أقوالكم وأفعالكم، وما ظهر وما بطن من أحوالكم. قال الورتجبي : السر والعلانية عنده تعالى سواء، إذا هو يبصرهما ببصره القديم، ويعلمهما بالعلم القديم، وليس في القِدم نقص، بحيث يتفاوت عنده الظاهر والباطن ؛ إذ هناك الظاهر هو الباطن، والباطن هو الظاهر ؛ لأنَّ الظاهر ظهر من ظاهريته، والباطن من باطنيته. ه.
فَذَكِّرْ إِن نَّفَعَتِ الذِّكْرَى * سَيَذَّكَّرُ مَن يَخْشَى * وَيَتَجَنَّبُهَا الأَشْقَى * الَّذِي يَصْلَى النَّارَ الْكُبْرَى * ثُمَّ لاَ يَمُوتُ فِيهَا وَلاَ يَحْيَا * قَدْ أَفْلَحَ مَن تَزَكَّى * وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى * بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * وَالآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى * إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الأُولَى * صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى .
٢ أخرجه البخاري في الصلاة حديث ٤٠١، ومسلم في المساجد حديث ٨٩..
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي