المعنى الجملي : بعد أن أمر رسوله بتسبيح اسمه، وعلم أمته المأمورة بأمر الله له، كيف يمكنها أن تعرف الاسم الذي تسبحه على نحو ما ذكرنا، ولا يكمل ذلك إلا بقراءة ما أنزل عليه من القرآن، فكان هذا مدعاة إلى شدة حرصه صلى الله عليه وسلم على حفظه ومن ثم وعده بأنه سيقرئه من كتابه ما فيه تنزيهه، وتبيين ما أوجب أن يعرف من صفاته، وأحكام شرائعه كما وعده بأن ما يقرئه إياه لا ينساه.
ولما كان هذا الوعد على سبيل التأبيد يوهم أن قدرته تعالى لا تسع تغييره جاء بالاستثناء فقال :
إلا ما شاء الله أي فإن أراد أن ينسيك شيئا لم يعجزه ذلك.
قال الفراء : إنه ما شاء أن ينسى محمد صلى الله عليه وسلم شيئا، إلا أن القصد من هذا الاستثناء بيان أنه لو أراد أن يصيره ناسيا لقدر على ذلك كما جاء في قوله : ولئن شئنا لنذهبن بالذي أوحينا إليك [ الإسراء : ٨٦ ].
وإنا لنقطع بأنه تعالى ما شاء ذلك.
وقصارى هذا : إن فائدة هذا الاستثناء بيان أنه تعالى قادر على أن ينسيه، وأن عدم النسيان فضل من الله وإحسان لا من قوته.
ثم أكد هذا الوعد مع الاستثناء فقال :
إنه يعلم الجهر وما يخفى أي إن الذي وعدك بأنه سيقرئك، وأنه سيجعلك حافظا لما تقرأ فلا تنساه- عالم بالجهر والسر، فلا يفوته شيء مما في نفسك، وهو مالك قلبك وعقلك، وخافي سرك وجهرك، ففي مقدوره أن يحفظ عليك ما وهبك وإن كان من خفيات روحك، ولو شاء لسلبه ولن تستطيع دفعه، لأنه ليس في قدرتك أن تخفي عنه شيئا.
تفسير المراغي
المراغي