ارجعي إلى ربك أي إلى ذات البحث بلا حجب الأسماء والصفات راضية بالله وبالإسلام دينا وبمحمد رسولا وبما قدر الله لها حال من فاعل ارجعي، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :( ذاق طعم الإيمان من رضي بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد رسولا )١ متفق عليه، وذاق طعم الإيمان المراد به هو الإيمان الحقيق مرضية فإن رضا العبد بالله موجب لرضاء الله سبحانه عنه بل رضاء العبد أثر لرضائه تعالى ودليل عليه، قال الحسن إذا أراد الله قبضها اطمأنت ورضيت عن الله ورضي الله عنها، عن عبادة بن الصامت قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :( من أحب لقاء الله أحب الله لقائه ومن كره لقاء الله كره الله لقائه فقالت عائشة أو بعض أزواجه إنا نكره الموت فقال ليس ذلك ولكن المؤمن إذا حضره الموت يبشر برضوان الله وكرامته فليس شيء أحب إليه مما أمامه فأحب لقاء الله فأحب الله لقاءه وأما الكافر إذا حضره الموت يبشر بعذاب الله وعقوبته فليس شيء أكره إليه مما أمامه فكره لقاء الله وكره الله لقائه )٢ متفق عليه، وفي رواية عائشة والموت قبل لقاء الله، وعن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :( إذا حضر المؤمن الموت أتت ملائكة الرحمة بحريرة بيضاء فيقولون : أخرجي راضية مرضية عنك إلى روح الله وريحانه ورب غير غضبان فيخرج كأطيب ريح المسك حتى أنه ليناوله بعضه بعضا حتى يأتوا به أبواب السماء فيقولون : ما أطيب هذه الريح التي جاءتكم من الأرض فيأتون به أرواح المؤمنين فلهم أشد فرحا به من أحدكم بغائب يقدم عليه فيسألوا ماذا فعل فلان ؟ فيقول : دعوه فإنه كان في غم الدنيا فيقول : قد مات أما أتاكم فيقولون قد ذهب به إلى أمه وإن الكافر إذا احتضر أتته الملائكة العذاب بمسح فيقولون أخرجي ساخطة مسخوطا إليك أي عذاب الله عز وجل فتخرج كأنتن ريح جيفة حتى يأتون به إلى باب الأرض فيقولون : ما أنتن هذه الريح حتى يأتون به أرواح الكفار )٣ رواه أحمد والنسائي وفي رواية ابن ماجه نحوه وفيه ( ثم يعرج بها إلى السماء فيقال لا مرحبا بالنفس الخبيثة كانت في الجسد الخبيث ارجعي ذميمة فإنها لا يفتح لك أبواب السماء ثم ترسل من السماء ثم يصير القبور ) وفي الباب أحاديث كثيرة واختلفوا في وقت هذه المقالة ؟ فقال قوم يقال لها ذلك عند الموت كما دلت عليه الأحاديث وقال أبو صالح في قوله ارجعي إلى ربك راضية مرضية، قال : هذا عند خروجها من الدنيا فإذا كان يوم القيامة قيل فادخلي في عبادي وادخلي جنتي، وقال آخرون إنها يقال لها ذلك عند البعث ارجعي إلى ربك وادخلي في أجساد عبادي يعني جسدك فيأمر الله تعالى الأرواح أن ترجعي إلى الأجساد وهذا قول عكرمة وعطاء والضحاك ورواية العوفي عن ابن عباس، وقال الحسن معناه ارجعي إلى ثواب ربك وكرامة راضية من الله تعالى بما أعد الله مرضية رضي الله عنها ربها فادخلي في عبادي أي مع عبادي جنتي، قلت سياق الآية يؤيد هذا القول يعني أنها يقال عند البعث لأن الله ذكر حال الكفار عند البعث بقوله فيومئذ لا يعذب عذابه الخ فكذلك ذكر ما يقال للمؤمنين يومئذ والأحاديث المذكورة يؤيد القول الأول والجمع بينهما أنه يقال في الوقتين جميعا عند الموت وعند البعث، بل التحقيق ان استحقاق هذا الخطاب يحصل للنفس في الدنيا حصول الاطمئنان فيقال لها ارجعي إلى ربك مدارج قربه وتجلياته الذاتية راضية مرضية.
٢ أخرجه البخاري في كتاب: الرقاق، باب: من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه (٦٥٠٧)، وأخرجه مسلم في كتاب: الذكر والدعاء والتوبة، باب: من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه (٢٦٨٦)..
٣ أخرجه النسائي في كتاب: الجنائز، باب: ما يلقى به المؤمن من الكرامة عند خروج نفسه (١٨٢٤)..
التفسير المظهري
المظهري