ﭑﭒﭓﭔﭕﭖﭗﭘﭙﭚﭛﭜﭝﭞﭟﭠﭡ

الربع الثالث من الحزب الواحد والعشرين
في المصحف الكريم
في هذا الربع تنتهي سورة التوبة المدنية، وتبتدئ سورة يونس المكية، والجزء الأخير من سورة التوبة يخص بالذكر موضوع الجهاد في سبيل الله مرة أخرى، ويتعرض بالتدقيق والتفصيل لوصف الحالة التي يكون عليها المنافقون من الانفعال والقلق والاضطراب، كلما نزلت أمامهم سورة من سور القرآن، ويلقي بالخصوص الأضواء على الخلق العظيم الذي كان عليه الرسول الكريم، مما أعطاه مكانة خاصة بين الأنبياء والرسل –فضلا عمن دونهم- وجعلهم أهلا لكل إجلال وتكريم.
ولنقف الآن وقفة قصيرة عند بعض الآيات الواردة في هذا الربع، بقدر ما يسمح به الوقت المخصص لهذه الحصة.
يقول الله تعالى : يا أيها الذين آمنوا قاتلوا الذين يلونكم من الكفار وليجدوا فيكم غلظة، واعلموا أن الله مع المتقين وهذه الآية سبقتها آية أخرى في نفس الموضوع، وفي نفس هذه السورة سورة التوبة، وهي قوله تعالى : يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين وأغلظ عليهم .
غير أنه يوجد بين هاتين الآيتين فرق فهم، ذلك أن الآية السابقة أمرت بجهاد الكفار عموما القريب منهم والبعيد، بينما الآية الواردة في هذا الربع ترشد المؤمنين إلى نوع خاص من الكفار الذين يجب البدء بقتالهم بالخصوص، وهؤلاء الكفار الذين تتوجه إليهم الأنظار هم الذين توجد مراكز نفوذهم السياسي وقواعدهم العسكرية قريبة كل القرب من عاصمة الإسلام وقاعدته الأولى " المدينة المنورة "، ممن يتربصون بالإسلام الدوائر، إذ في وجودهم بالقرب من عاصمة الإسلام خطر مباشر لا يمكن تجاهله بحال، وفيه نوع من الحصار المضروب على الإسلام، حتى لا يتسرب إلى خارج الجزيرة العربية، وينتشر فيما وراءها. وبما أن رسالة الإسلام رسالة عامة إلى كافة البشر، كان من أوجب الواجبات عليه أن يهدم السدود، ويخترق الحدود، ليشق طريقه إلى الشعوب والأمم، آمنا من الفتنة والاضطهاد، داعيا إلى إقامة دعائم الصلاح والرشاد، عاملا على دك حصون الظلم والفساد، وذلك ما دشنه رسول الله صلى الله عليه وسلم بنفسه في غزوة تبوك آخر حياته قبل انتقاله إلى الرفيق الأعلى.
قال ابن كثير في تفسيره لهذه الآية الكريمة ما خلاصته بإيجاز : " أمر الله المؤمنين أن يقاتلوا الكفار أولا فأولا، الأقرب فالأقرب، إلى حوزة الإسلام. ولهذا بدأ رسول الله يقاتل المشركين في جزيرة العرب، فلما فرغ منهم ودخل الناس من سائر أحياء العرب في دين الله أفواجا شرع في قتال أهل الكتاب، فتجهز لغزو الروم الذين هم أقرب الناس إلى جزيرة العرب، وأولى الناس بالدعوة إلى الإسلام، لأنهم أهل الكتاب، فبلغ تبوك ثم رجع سنة تسع من هجرته عليه السلام، ثم اشتغل في السنة العاشرة بحجة الوداع، ثم عاجلته المنية بعد حجته بأحد وثمانين يوما، فاختاره الله لما عنده، وقام بالأمر بعده خليفته أبو بكر الصديق... فوطد القواعد، وثبت الدعائم، ورد شارد الدين وهو راغم... ثم شرع في تجهيز الجيوش الإسلامية إلى الروم عبدة الصلبان، وإلى الفرس عبدة النيران، ففتح الله ببركة سفارته البلاد... وكان تمام الأمر على يدي وصيه من بعده وولي عهده الفاروق الأواب، شهيد المحراب... أبي حفص عمر بن الخطاب، فأرغم الله به أنوف الكفرة الملحدين، وقمع الطغاة والمنافقين، واستولى على الممالك شرقا وغربا.. ثم لما مات شهيدا، وقد عاش حميدا، أجمع الصحابة من المهاجرين والأنصار على خلافة أمير المؤمنين عثمان بن عفان.. شهيد الدار، فكسى الإسلام حلة سابغة، وأمد في سائر الأقاليم حجة الله البالغة، فظهر الإسلام في مشارق الأرض ومغاربها... وبلغت الملة الحنيفية من أعداء الله غاية مآربها، وكلما علوا أمة انتقلوا إلى من بعدهم، ثم الذين يلونهم من العتاة الفجار، امتثالا لقوله تعالى : يا أيها الذين آمنوا قاتلوا الذين يلونكم من الكفار ".
وقوله تعالى هنا : وليجدوا فيكم غلظة أمر للمؤمنين الذين يشتبكون مع أعدائهم بأن يواجهوا المعركة بما يلزم لها من قوة القلب، وضبط النفس، وتقدير المصلحة العليا، وأن يقوموا بواجب الجهاد كاملا غير منقوص، حتى يمكنوا بجهادهم للإسلام، ويفرضوا هيبته على الأنام، ويرفعوا عنه الحصار المضروب من حوله، ويشقوا له طريق العيش في سلام. وبنفس المعنى سبق قوله تعالى في هذه السورة وكما سيأتي في سورة التحريم : يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين وأغلظ عليهم |التوبة : ٧٣ –التحريم : ٩|.
وكلمة الغلظة إذن لا تعني القسوة، ومجاوزة الحدود، بقدر ما تعني الشجاعة في القتال، وضبط الأعصاب عند مواجهة العدو، فالجهاد الإسلامي كان ولا يزال هو المثل الأعلى للحرب الإنسانية في أهدافها، والأخلاقية في تصرفاتها، فلا تمثيل بالقتلى، ولا قتل للجرحى، ولا تعذيب لأسرى، ولا تحريق للزرع، ولا تضييع للضرع، ولا اعتداء على الأطفال والنساء والعجزة، ولا إهانة للرهبان في دياراتهم وصوامعهم، ولا حرب مع البعيد عن ميدان المعركة من المدنيين، وإنما الحرب منحصرة كلها في جبهة القتال، ومع حاملي السلاح المقاتلين، وأعوانهم المساعدين، فهذا هو الجهاد الإسلامي الصحيح.
وقوله تعالى في نفس هذا السياق واعلموا أن الله مع المتقين إشارة إلى أن جهاد المسلمين لا يؤتي ثمرته المرجوة إلا إذا كان القائمون به من الجند، والمشرفون عليه من القادة، معتصمين بتقوى الله قولا وعملا، سرا وجهرا. أما العصاة المذنبون فإنهم يفقدون أهم سلاح في المعركة، وهو سلاح التقوى المنبثقة من الإيمان، وما تستتبعه من رضا الله ومدده القوي ولطفه الخفي. قال ابن كثير عند تفسيره لهذه الآية : " فكلما قام ملك من ملوك الإسلام وأطاع أوامر الله، وتوكل على الله، فتح الله عليه من البلاد، واسترجع من الأعداء بحسب ذلك، وبقدر ما فيه من ولاية لله ".


في هذا الربع تنتهي سورة التوبة المدنية، وتبتدئ سورة يونس المكية، والجزء الأخير من سورة التوبة يخص بالذكر موضوع الجهاد في سبيل الله مرة أخرى، ويتعرض بالتدقيق والتفصيل لوصف الحالة التي يكون عليها المنافقون من الانفعال والقلق والاضطراب، كلما نزلت أمامهم سورة من سور القرآن، ويلقي بالخصوص الأضواء على الخلق العظيم الذي كان عليه الرسول الكريم، مما أعطاه مكانة خاصة بين الأنبياء والرسل –فضلا عمن دونهم- وجعلهم أهلا لكل إجلال وتكريم.
ولنقف الآن وقفة قصيرة عند بعض الآيات الواردة في هذا الربع، بقدر ما يسمح به الوقت المخصص لهذه الحصة.
يقول الله تعالى : يا أيها الذين آمنوا قاتلوا الذين يلونكم من الكفار وليجدوا فيكم غلظة، واعلموا أن الله مع المتقين وهذه الآية سبقتها آية أخرى في نفس الموضوع، وفي نفس هذه السورة سورة التوبة، وهي قوله تعالى : يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين وأغلظ عليهم .

التيسير في أحاديث التفسير

عرض الكتاب
المؤلف

المكي الناصري

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير