ويقول سبحانه بعد ذلك :
يا أيها الذين آمنوا قاتلوا الذين يلونكم من الكفار وليجدوا فيكم غلظة واعلموا أن الله مع المتقين ( ١٢٣ ) .
ينقلنا الحق هنا إلى الحديث عن الجهاد مرة أخرى. ولنا أن نتساءل : لماذا-إذن- جاء الحديث عن النفرة والفقه كفاصل بين حديث متصل عن الجهاد ؟ أجيب : شاء سبحانه هنا أن يعلمنا أن كل من ينفر ؛ لتعلم الفقه، وليعلم غيره ؛ هذا المسلم في حاجة إلى مرحلة التعلّم، ومعرفة الأسباب التي يقاتل من أجلها المسلمون وحيثيات الجهاد في سبيل الله.
وقد قسّم الحق سبحانه في آيات الجهاد إلى قسمين : فرقة وتنفر، وطائفة منها تبقى مع رسول الله صلى الله عليه وسلم. فإذا استوى الأمر، فرقة تجاهد، وفرقة تتعلم وتعلّم١، وتبادل الفرقتان الخبرة الإيمانية والقتالية، تصبح الملكات الإيمانية متساندة غير متعاندة، ومن بعد ذلك يتوجهون إلى الكفار.
يا أيها الذين آمنوا، قاتلوا الذين يلونكم وهذا يعني أن هناك قوما قريبين منهم ما زالوا كافرين، وهناك قوم أبعد منهم، والحق قد قال : قاتلوا المشركين كافة كما يقاتلونكم كافة... ( ٣٦ ) ( التوبة ).
إذن : فهناك أولويات في القتال، وقتال الكفار القريبين منك فيه تأمين لمعسكر الإيمان ؛ لذلك جاء الأمر بقتال الأقرب ؛ لأنه قتال لن يتطلب رواحل ولا مئونة للسفر البعيد، كما أن العدو القريب منك أنت أعلم بحاله أكثر من علمك بحال الكفار البعيدين عنك ؛ لذلك فأنت تعلم مواطن قوتهم وضعفهم، وكيفية تحصيناتهم. فإذا تيسر أمر قتال العدو الأقرب، كان ذلك طريقا لمجابهة العدو الأبعد، بدلا من تواجه العدو البعيد ؛ فيتفق مع العدو القريب، ويصنع الاثنان حولك " كماشة " بلغة الحرب، فلا بد أن تحمي ظهرك أولا، من شر العدو الأقرب.
إذن : فلا تعارض بين محاربة العدو البعيد والعدو القريب. ولا تعارض بين قوله الحق : قاتلوا الذين يلونكم من الكفار وقوله سبحانه : وقاتلوا المشركين كافة ؛ لأن معنى كافة أي : جميعا، ولكن الجماعة لها أولوية. فخذ القريب منك ؛ لتضمه إليك، ومتى ضممته إليك نقصت أرضا من عدوك ؛ وأصبح زائدا فيك، وإذا كان الخصم معه سيف ومعك سيف، وبعد ذلك دخلت المعركة فأوقعت سيفه من يده، فأخذته، فبذلك يصبح معك سفيان وهو لا سيف معه.
ولذلك يوضح الحق سبحانه وتعالى للكفار : اعتبروا أيها الكفار، فانتم لا ترون الأرض كل يوم وهي تنقص من تحت أقدامكم٢، وما ينقص من أرض الكفار يزيد في أرض الإيمان. وما دام الحق قد جاء بكلمة " قتال " فهذه الكلمة تحتاج إلى عزيمة، وجرأة تجرّئ على القتال، وصبر عليه، فقد تجد في مواجهتك من هو أقوى منك أو من هو أشجع منك، فإن رأى شجاعة منك تفوق شجاعته، وأحسّ منك قوة ومثابرة تفوق قوته ومثابرة، فهذا ينزع من قلبه الأمل في الانتصار عليك ؛ ولذلك يقول الحق :
وليجدوا فيكم غلظة والغلظة صفة، ويقال : غلظة، وغلظة، وغلظة٣، والمعروف أنها الشدة، فحين تضرب عدوك اضربه بقوة، وبجرأة، وبشجاعة.
وحين يحاول عدوك أن يضربك استقبل الضربة بتحمّل، وهكذا نجد أن الغلظة مطلوبة في حالتين اثنتين، في حالة الإرسال منك، وفي حالة الاستقبال منه، فلا يكفي أن تضرب عدوك ضربة قوية، وحين يرد لك الضربة تخور وتضعف. وإن الحق يطلب منك غلظة تحمل على عدوّك، وغلظة تتحمل من عدوك.
ولذلك نجد آية آل عمران يقول فيها الحق :
اصبروا... ( ٢٠٠ ) ( آل عمران )
ولكن هب عدوك يصبر أيضا، فيأتي الأمر من الحق :
وصابروا... ( ٢٠٠ ) ( آل عمران )
أي : حاول أن تغلبه في الصبر. وحذر الحق من إلقاء السلاح بعد انتهاء المعركة ؛ لأن العدو قد يستنيم٤ المؤمن ؛ لذلك جاء الأمر من الحق :
ورابطوا... ( ٢٠٠ ) ( آل عمران )أي : استقر أيها المؤمن في الأرض ؛ ليعلم أنك تنتظره إن حاول الكرّة من جديد أو حدثته نفسه بالقتال مرة أخرى. إذن : فالغلظة تطلب منك أن تهاجم، وتطلب منك أن تتحمل، والتحمل يقتضي صبرا والتحامل يقتضي شجاعة، فإذا ما كان في خصمك صير شجاعة ؛ فعليك أن تصابره أي : تصبر أكثر منه، وهي مأخوذة في الأصل من " نافس فلان فلانا... أي سابقه وحاول أن يسبقه "، والمنافسة من النفس، والحق يقول : وفي ذلك فليتنافس المتنافسون( ٢٦ ) ( المطففين )أي : تنافسوا في الخير ونحن نعلم أن تركيبة النفس الإنسانية تحتاج إلى شيء مرة أو مرتين في اليوم، وتحتاج إلى شيء آخر خمس أو ست مرات في اليوم. وتحتاج إلى شيء ثالث دائما. فأنت في الأكل تأكل ثلاث وجبات، وفي الشراب تحتاج إلى لترين أو أربعة من الماء أو أكثر. أما التنفس فأنت لا تصبر على الانقطاع عنه، وهو أهم الضروريات لحياة الإنسان.
وقلنا قديما : إن من رحمة الله سبحانه وتعالى أنه قد يملك إنسان طعام إنسان، وقد يستطيع الإنسان الصبر عن الطعام أسابيع، ولا يصبر الإنسان عن انقطاع الماء إلا أياما تتراوح من ثلاثة إلى عشرة، حسب كمية المياه في جسمه ؛ لذلك لم يملّك الحق سبحانه الماء مثلما ملّك الطعام، وأما الهواء فأنت لا تصبر على افتقاده للحظات ؛ ولذلك لم يملك الله الهواء لأحد أبدا ؛ وكأنه سبحانه علم أن عباده غير مأمونين عن بعضهم البعض، ولذلك سمي استنشاق الهواء وزفير بالتنفس، وهو من النفس، وهو سبب وجود النفس وهي مزيج من المادة والروح، والأساس هو نفس الهواء الذي يضمن استمرار النفس في الحياة.
وإذا ما نافست العدو فأنت تصطاد الشيء النفيس، وهو إعلاء منهج الله. وحين تصابر أهل الباطل، فكل واحد من أهل الباطل قد يصابر لجاجة٥ لمدة قصيرة ثم يتراجع، لأن الباطل زهوق، وهنا يقول سبحانه : وليجدوا فيكم غلظة أي : غلظة على العدو، وغلظة تتحمل من العدو، وأن تصبر، وتصابر، وترابط.
وكيف يطلب الله منا أن تكون لنا غلظة عليهم مع أنه قال لرسوله صلى الله عليه وسلم : لو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك... ( ١٥٩ ) ( آل عمران ).
فإن هذا ينفي الغلظة، وأقول : لنفرق بين أمرين، أمر الغلظة في أن تكون الحجة قوية، وأمر الغلظة التي يتطلبها القتال، أما المعايشة والمآكلة والملاطفة، فهذه تحتاج إلى لين ورقة.
وقوله الحق : وليجدوا فيكم غلظة يفيد أن الغلظة ليست صفة دائمة، بل تعني أنك تطلّب الأمر فيجب أن تتوافر فيك، وكذلك قلنا : إن الله لم يطبع المؤمن على الغلظة، ولم يطبعه على الشدة، ولم يطبعه على العزة، بل قال : أشداء على الكفار رحماء بينهم... ( ٢٢٩ ) ( الفتح ).
وقال : أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين... ( ٥٤ ) ( المائدة )
وينهي الحق الآية : واعلموا أن الله مع المتقين . إياك أن تفهم أنك تواجه أعداءك من الكفار وعدّتك، ولكن العدد والعدة أمران مطلوبان ؛ لتدخل المعركة، وعندك شيء من الاطمئنان. ومثال هذا من يسلك مفاوز٦ أو صحاري مقفرة٧ أو طريقا موحشا، ويحتمل أن يصادف قطّاع طريق، نجده يستعد بحمل سلاح ؛ فهو يعطيه شيئا من الاطمئنان فقط، وهكذا الحال مع العدد والعدة.
أما النصر فهو من المد الرّبانّي من الحق سبحانه وتعالى. ومادام الله مع المتقين، ولله معيّة مع المتقين فلا بد أن يمدهم بمدده ؛ لذلك جاء الحق هنا بقوله : أن الله مع المتقين لننتبه إلى أن الداخل في الحق هو من سيسلك سلوكا غليظا مع الأعداء، وقد يسلك بالغلظة طمعا في المغنم، فيدخل على الكافر بالقسوة، وقد يكون قلب هذا الكافر مستعدا للإيمان، فيقول : أسلمت واستسلمت، ولكن من دخل عليه تعجبه مطية٨ هذا الكافر، ويعتبرها مغنما. لذلك يأتي التحذير في قوله سبحانه : أن الله مع المتقين فإن سلّم واستسلم ؛ فاستأسره، وإياك أن تؤذيه أو تأخذ معداته على أنها مغنم، فأنت لم تذهب للقتال من أجل الغنائم، أو لتكسب مكانة في مجتمعك كمقابل، بل أنت تقاتل حين يكون القتال مطلوبا، وتسلك بالخلق الإيماني اللائق في إطار أنك من المتقين لله، وتحارب لتكون كلمة الله هي العليا٩ وهنا تكون معية الله لك أن الله مع المتقين ( ١٢٣ ) .
إذن : فالغلظة لا تعني أنها طبع أصبح فيك، ولكن عدوك يجد فيك غلظة إن احتاج الأمر إلى غلظة. فإن لم يحتج الأمر إلى غلظة ؛ فلا بد أن يوجد في طبعك اللين والموادعة.
ولذلك يقولون : الرجل كل الرجل هو من كانت له في الحرب شجاعة، وفي السلم وداعة، وخيركم من كان في الجيش كمّيا في البيت صبيّا، فلا يصطحب غلظته مع العدو إلى البيت والزوجة والأبناء ؛ لأن ذلك وضع للطاقة في غير مجالها.
هكذا نفهم قوله الحق :
يا أيها الذين آمنوا قاتلوا الذين يلونكم من الكفار وليجدوا فيكم غلظة واعلموا أن الله مع المتقين ( ١٢٣ ) ( التوبة )أي : كونوا في حربكم غلاظا بما يناسب الموقف ؛ لأن الحرب تتطلب القسوة والشدة، ولكن إياك أن تستعمل هذه الأمور لصالحك، ولكن استعملها لله ؛ لتضمن أن تكون في معية الله١٠.
٢ قال عز وجل:أولم يرو أنا نأتي الأرض ننقصها من أطرافها....(٤١) (الرعد) قال ابن عباس في تفسيرها، أو لم يروا لأنا نفتح لمحمد صلى الله عليه وسلم الأرض بعد الأرض. وهو الأولى في تفسير هذه الآية، وهو ظهوره الإسلام على الشرك قرية بعد قرية. ذكره ابن كثير في تفسيره (٢/٢٥).
٣ قال الفراء: لغة أهل الحجاز وبني أسد "غلظة" بكسر الغين، ولغة بني تميم "غلظة" بضم الغين. وقال الزجاج: فيها ثلاث لغات: غلظة، وغلظة، غلظة. انظر: لسان العرب مادة (غ ل ظ).
٤ يستنيم المؤمن: أي ينتهز منه نومه أو غفلة عن سلاحه. ويقول عز وجل:ود الذين كفروا لو تغفلون عن أسلحتم وأمتعتكم فيميل عليكم ميلة واحدة... ١٠٢) (النساء) فالغفلة عن السلاح والمتاع أثناء القتال هي حلم للكافرين به أي فرصة لحدوثها ليميلوا على المؤمنين ميلة واحدة، فيأخذونهم مرة واحدة..
٥ أصل الرباط من مرابط الخيل التي تربط بها في مواجهة الأعداء في الثغور والحدود مع العدو ففيه معنى التربص به والحذر من غدره. ومما ورد في فضل الرباط في سبيل الله:"رباط يوم في سبيل الله خير من الدنيا وما عليها، وموضع سوط أحدكم من الجنة خير من الدنيا وما عليها، والروحة يروحها العبد في سبيل الله أو الغدوة خير من الدنيا وما عليها" أخرجه البخاري في صحيحه (٢٨٩٢) وأحمد في مسنده (٥/٣٣٩) والترمذي في سننه (١٦٦٤) عن سهل بن سعد الساعدي ويستعمل الربط في المعاني كقوله تعالى:وربطنا على قلوبهم (١٤) (الكهف) أي ثبتنا قلوبهم وعزائهم على الإيمان. وهم فتية أهل الكهف..
٦ المفاوز: جمع مفازة، وهي الصحراء المهلكة، وسميت هكذا، لأن من دخلها وخرج منها وقطعها فاز؟ قال ابن شميل: المفازة التي لا ما ء فيها..
٧ مقفرة: خالية من الكلأ والناس..
٨ المطية: البعير أو الناقة يمتطي ظهرها أي: تركب. والجمع مطايا..
٩ عن أبي موسى الأشعري لأن رجلا أعرابيا أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، الرجل يقاتل للمغنم، والرجل يقاتل ليذكر، والرجل يقاتل ليرى مكانه، فمن في سبيل الله؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"من قاتل لتكون كلمة الله أعلى فهو في سبيل الله" وفي رواية "هي العليا فه في سبيل الله" أخربه البخاري في صحيحه (١٢٣) ومسلم (١٩٠٤)..
١٠ عن معاذ بن جبل عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال:" الغزو غزوان، فأما من ابتغى وجه الله، وأطاع الإمام، وأنفق الكريمة، وياسر الشريك، واجتنب الفساد، فإن نومه ونهبه أجر كله، وأما من غزا فخرا ورياء وسمعه، وعصى الإمام وأفسد في الأرض، فإنه يرجع بالكفاف" أخرجه أحمد في مسنده (٥/٢٣٤) وأبو داود في سننه (٢٥١٢) والنسائي في سننه (٦/٤٩).
تفسير الشعراوي
الشعراوي