ويقول سبحانه بعد ذلك :
وإذا ما أنزلت سورة فمنهم من يقول أيكم زادته هذه إيمانا فأما الذين آمنوا فزادتهم إيمانا وهم يستبشرون( ١٢٤ ) .
قوله الحق : وإذا ما أنزلت يعني : إذا نزلت، ونعلم أن هناك " نزل " و " أنزل " " نزّل " ف " أنزل " للتعدية، فالقرآن نزل من اللوح المحفوظ إلى السماء الدنيا. ثم نزّله الحق نجوما١. فالتنزيل معناه. مولاة النزول لأبعاض القرآن، فالقرآن قد أنزل كله، ثم بعد ذلك نزل الحق، ونزل به جبريل –عليه السلام- على سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم.
وقد جمعت الآية تنزيل الحق للقرآن من اللوح المحفوظ إلى السماء الدنيا، ثم نزول جبريل –عليه السلام- بالقرآن على رسول الله صلى الله عليه وسلم، والحق سبحانه يقول :
وبالحق أنزلناه وبالحق نزل... ( ١٠٥ ) ( الإسراء )
وفي آية أخرى يقول سبحانه : نزل به الروح الأمين ( ١٩٣ ) ( الشعراء ).
وهنا يقول الحق : وإذا ما أنزلت سورة والسورة هي الطائفة من القرآن المسور بسور خاص ؛ أو مثلا : بسم الله الرحمان الرحيم وآخره تأتي بعده سورة أخرى تبدأ بقوله الحق : بسم الله الرحمان الرحيم ومأخوذة من السور الذي يحدد المكان٢. وهل المقصود بقوله الحق هنا نزول سورة كاملة من القرآن أو نزول بعض من القرآن ؟ فإن المقصود هو نزول بعض من القرآن.
وتتابع الآية : فمنهم من يقول أيكم زادته هذه إيمانا والمقصود بهذا المنافقون الدين رجعوا عن الإيمان. ونحن نعلم أن القرآن حق وأنه من عند الله وله أسر وفاعلية إشراقية في صفاء النفس، وقد سمعه الكفار من قبل، وشهدوا له٣، أما المؤمنون فحين سمعوه فقد أسرهم.
وهذا الأمر بسبب الاستعداد لتلقيه ؛ لأن المسألة في كل الأحداث ليست من الفاعل وحده، ولكنى من الفاعل والقابل للفعل-ولله المثل الأعلى- أنت تأتي بمطرقة مثلا، وتطرق قطعة حديد فترق وتزيد مساحتها، وأما إن طرقت بالمطرقة قطعة صلب أقوى من المطرقة ؛ فلن تؤثر فيها.
إذن : فالطرق شيء وقابلية الطرق شيء آخر، وهكذا لا بد للفاعل من قابل، والمطلوب من القابل للشيء أن يستقبله بغير خصومة له نابعة من قلبه. فإذا أراد أحد أن يسمع القرآن فعليه أن يخرج ما في قلبه مما هو ضد القرآن، ويضع القرآن وضده خارج قلبه وليسمع هذا وهذا وما ينفذ إلى قلبه بعد هذا فليصدقه. لكن أن يستقبل القرآن بما في قلبه من كراهية القرآن ؛ فلن يتأثر له، مثلما قابل بعض المنافقين القرآن وقالوا : لم نتأثر به.
وسبب هذا أن هناك ما يسمى بالحيز، وعدم التداخل في الحيز، فالقلب حيز لا يسع الشيء ونقيضه، فلا تملأ قلبك ببغضك للدين، ثم تقول : لقد سمعت القرآن ولمن يؤثر فيّ. هنا نقول لك : أخرج من قلبك ما يكون ضد القرآن، واجعل القرآن أيضا خارج قلبك، ثم انظر في الاثنين لترى ما الذي يستريح له قلبك، لكن أن تكون مشحونا ضد القرآن ثم تقول : إن القرآن لم يؤثر فيك، فهذا لا يعني أنك لم تنتبه إلى الفرق بين الفاعل والقابل، ولم تنتبه إلى ما يسمى بالحيز، ومدى قدرته على الاستيعاب.
فالزجاجة ذات الفوهة الضيقة لا تستقبل بداخلها الماء إن أغرقتها فيه ؛ لأن ضيق الفوهة لا يساعد الهواء الذي بداخلها على الخروج، ولا ساعد الماء على الدخول ؛ لأن الماء لن يدخل إلا إذا خرج الهواء، ولذلك لا بد أن تكون فوهة الزجاجة واسعة تسمح بخروج الهواء ودخول الماء، وعند ذلك سترى فقاقيع الهواء وهي تعلوا الفوهة. وإذا كان الأمر كذلك في الحسيات، فما بالك في الأمور المعنوية وهي مثل الأمور الحسية.
إذن : فأخرج ما يناقص الحق من قلبك، واجعل الباطل والحق خارجا، ثم استقبل الاثنين. لا يمكن لك في مثل هذه الحالة إلا أن تستقبل٤ الحق. ويصف سبحانه المصرين على الكفر : وطبع الله على قلوبهم.... ( ٩٣ ) ( التوبة )
أي : أن ما هو خارج هذه القلوب لا يدخل إليها، وما ي داخلها لا يخرج منها.
إذن : ما دام الحق قد ختم على قلوبهم ؛ فلن تنفتح هذه القلوب للإيمان وستظل محتفظة بالكفر. فإذا كان من هؤلاء الكافرين أو المنافقين من يسمع القرآن، ولا يأسره بيانه ؛ فذلك بسبب عجزهم عن النظر إلى ما فيه من معان وقيم٥ ؛ لأن الإنسان حينما يسمع القرآن، وتكون نفسه صافية ليس فيها ما يشوش على ما في القرآن من جاذبية وبيان يؤثر فيه وتطمئن إليه نفسه.
ولذلك حين قرا عمر بن الخطاب –رضي الله عنه- القرآن من وكان من قبل ذلك شديدا على الإسلام، ثم ذهب إلى أخته ؛ ليتحقق من أمر إسلامها، وحين سال منها الدم وقت عاطفتها لها، ثم قرأ القرآن فاستقر في قلبه٦.
إذن : لا بد أن تخرج ما في ذهنك أولا ؛ لتستقبل القرآن. فإذا ما أنزلت سورة يستقبلها المؤمن بصفاء٧. أما الكافرون والمنافقون، فمنهم من يقول : أيكم زادته هذه إيمانا وتعطينا الآية معنى أننا أمام فريقين : واحد يقرأ، والثاني يسمع. ونفهم من سياق الآية أن الذي يتساءل مثل هذا السؤال إنما يوجهه لفريقين : أحدهما من ضعاف الإيمان، أو حديثي الإسلام، أو المنافقين، وهؤلاء هم الذين لم يخرجوا الكفر أو بعضه من قلوبهم، وقابلية بعضهم لاستقبال الإيمان لن تتأكد بعد، ومنهم من قال فيهم الحق :
ومنهم من يستمع إليك حتى إذا خرجوا من عندك قالوا للذين أوتوا العلم ماذا قال آنفا... ( ١٦ ) ( محمد )
ويقول : والذين لا يؤمنون في آذانهم وقر٨ وهو عليهم عمى... ( ٤٤ ) ( فصلت ).
إذن : الفاعل شيء، والقابل شيء آخر. هم سمعوا القرآن بدليل أن الحق يقول : وإذا ما أنزلت سورة وسياق الآية يوحي لنا أن هناك همسا من بعضهم : أيكم زادته هذه إيمانا وهذا الهمس يأتي بلهجة المستهزئ، وقائل الهمس يعني أن سماعه للقرآن لم يزد شيئا عنده، ولم ينقص، وهو يهمس لمنافق مثله، أو لضعيف الإيمان أيكم زادته هذه إيمانا فيرد الله على القضية النفسية، ويعلمنا أنه سبحانه قد قسم الناس قسمين : قسم كافر أو منافق، وهذا القسم يزيده القرآن كفرا٩، أما القسم المؤمن ؛ فاستقباله للقرآن يزيده من إيمانه١٠.
إذن : الفاعل شيء والقابل مختلف. ووقف العلماء أمام هذه الآية موقفا فيه اختلاف بينهم وإذا ما أنزلت سورة فمنهم من يقول أيكم زادته هذه إيمانا فقال بعضهم : إن الإيمان ينقص ويزيد، وقال بعضهم : إن الإيمان لا ينقص ولا يزيد، وقامت معركة بين علماء الكلام، ولا تتسرب معركة بين عقلاء إلا إذا كانت جهة الفهم في الأمر الذي يختلفون فيه منفكة، فمنهم من يذهب فكره إلى ناحية، ومنهم من يتجه فكره إلى ناحية أخرى١١.
فالذين قالوا : إن الإيمان لا يزيد ولا ينقص، فلحظة أن يتألق الإيمان في القلب ؛ يستقر فيه، وهو الإيمان بالله وأن الله لا إله إلا الله ولا معبود سواه، وأن محمدا رسول الله المبلغ عنه ؛ هذا الإيمان لا يزيد ولا ينقص. والمثال : هو قول الإمام علي كرم الله وجهه : لو انكشف عني الحجاب ما ازددت يقينا.
أما العلماء الذين قالوا بأن الإيمان يزيد وينقص، فقد قصدوا بذلك تطبيق مستلزمات الإيمان من الآيات، فكل آية تحتاج ممن يصدقها أن يكون مؤمنا بالله أولا، ثم ينفذ متطلبات الآية.
وكل المسلمين مؤمنون بالله، ولكن في جزئيات التطبيق نجد من يطبق عشرين جزئية وآخر يطبق ثلاثين، أما أصل الإيمان الذي استقبل به الإنسان التكليف وهو التوحيد، فلا يزيد ولا ينقص. وهؤلاء المنافقون عندما قالوا : أيكم زادته هذه إيمانا هل تداولوا ذلك سرا أم قالوه علنا ؟ لا بد أنهم قالوا ذلك سرا وفضحهم الحق سبحانه، وكان يكفي أن يعلموا أن الله يخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم بكل ما يكتمونه، ولكنهم احترفوا اللجاجة١٢ ؛ لذلك قالوا : أيكم زادته هذه إيمانا .
ويرد الحق سبحانه :
فأما الذين آمنوا فزادتهم إيمانا وهم يستبشرون و " يستبشر " أي " : يملأ السرور بشرته، فترى البريق، والفرحة، الانبساط. وكلها من علامات الاستبشار، ومن يستبشر بآية من آيات الحق فهو الذي يفهم من الآية شيئا جديدا ؛ يدخل نفسه السرور ؛ ولذلك فهو يرتاح لنزول تكليفات إيمانية جديدة، ليعظم ويزداد ثوابه، وهو غير ذلك يكره أن ينزل حكم جديد من الله.
هذا هو معنى " يستبشر ".
أما الآخرون فيقول الحق سبحانه عنهم :
وأما الذين في قلوبهم مرض فزادتهم رجسا إلى رجسهم وماتوا وهم كافرون ( ١٢٥ ) .
٢ فالسورة في التعريف الاصطلاحي هي قرآن يشتمل على آي ذوات فاتحة وخاتمة، وأقلها ثلاث آيات، وكل سورة معجزة وآية من آيات الله تعالى، ومنها سور طوال ومنها قصار، ومع هذا فسور مثل سورة الكوثر وهي ثلاث آيات لها نفس إعجاز سورة البقرة. انظر تفصيل هذا البرهان في علوم القرآن للزركشي (١/٢٦٣، ٢٦٥)..
٣ من هؤلاء الوليد بن المغيرة الذي حاول معه الكفار أن يصف القرآن بأنه كهانة أ تخليط مجنون أو أنه شعر، أو أنه قول ساحر. فقال: والله إن لحلاوة، وإن أصله لعذق. وإن فرعه لجناة، وما أنتم بقائلين من هذا شيئا إلا عرف أنه باطل. سيرة النبي لإبن هشام (١/٢٧٠).
٤ مصداقا لقوله تعالى:أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها (٢٤) (محمد) فالقلب مغلق الله، وبغير كلامه فلم يتدبروا..
٥ ومما يرويه ابن إسحاق من هذا في السيرة النبوية أن بعض كفار قريش خرجوا ليلة ليستمعوا خفية إلى القرآن من رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يصلي في بيته. وباتوا يستمعون له، وكل منهم لا يعلم بالآخرين، حتى إذا طلع الفجر انصرفوا فجمعهم الطريق فتلاموا ثم تعاهدوا على عدم تكرار ذلك، إلا أنهم عادوا للاستماع للقرآن عدة مرات. وسأل أحدهم 'الأخنس بن شريق) أبا سفيان: أخبرني يا أبا حنظلة عن رأيك فيما سمعت من محمد؟ فقال: يا أبا ثعلبة والله لقد سمعت أشياء أعرفها وأعرف ما يراد بها، وسمعت أشتاء ما عرفت معناها. ووجه الأخنس نفي السؤال لأبي جهل فرد عليه: ماذا سمعت، تنازعنا نحن وبنو عبد مناف الشرف، أطعموا فأطعمنا، وحملوا فحملنا، وأعطوا فأعطينا، حتى إذا تحاذينا على الركب، وكنا كفرسي رهان قالوا: منا نبي يأتيه الوحي من السماء؛ فمتى ندرك مثل هذه، والله لا نؤمن به أبدا. (انظر سيرة ابن هشام ١/٣١٥-٣٤٦)..
٦ قصة إسلام عمر بن الخطاب أوردها ابن هشام في السيرة النبوية (١/٣٤٣، ٣٤٦) نقلا عن ابن إسحاق..
٧ وفي هذا يقول سبحانه:الله نزل أحسن الحديث كتابا متشابها مثاني تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله ذلك هدى الله يهدي به من يشاء....(٢٣) (الزمر).
٨ وقر: ثقل في السمع، وقيل: هو الصمم..
٩ وذلك في قوله تعالى الآتي بعد:وأما الذين في قلوبهم مرض فزادتهم رجسا إلى رجسهم وماتوا وهم كافرون (١٢٥) (التوبة).
١٠ مصداقا لقوله تعالى:الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا وعلى ربهم يتوكلون (٢) (الأنفال).
١١ الذين قالوا بأن الإيمان لا يزيد ولا ينقص نظروا إلى مسمى الإيمان اللغوي أي التصديق والإقرار، وهذا لا يحتمل نقصانا. أما الآخرون فقد نظروا إلى أن الإيمان: تصديق بالقلب وقول باللسان، وعمل بالجوارح. فالعمل بالجوارح يزيد وبنمي معاني الإيمان في قلب العبد إن كانت في طاعة، أما إن كانت في معصية فهي تنقصه بمعنى أنها ثباته في القلب. انظر في تفصيل هذا كتب علم الكلام والعقائد..
١٢ اللجاجة: الجدال والمراء بغير حق. لسان العرب مادة (ل ج ج).
تفسير الشعراوي
الشعراوي