الْآيَةُ الرَّابِعَةَ عَشْرَةَ : قَوْله تَعَالَى وَقَالَتْ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتْ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا من قَبْلُ قَاتَلَهُمْ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ .
فِيهَا أَرْبَعُ مَسَائِلَ :
الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : فِي هَذَا من قَوْلِ رَبِّنَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ مَنْ أَخْبَرَ عَنْ كُفْرِ غَيْرِهِ -الَّذِي لَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ أَنْ يَبْتَدِئَ بِهِ- لَا حَرَجَ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يَنْطِقُ بِهِ عَلَى مَعْنَى الِاسْتِعْظَامِ لَهُ وَالرَّدِّ عَلَيْهِ، فَلَا يَمْنَعُ ذَلِكَ مِنْهُ، وَلَوْ شَاءَ رَبُّنَا مَا تَكَلَّمَ بِهِ أَحَدٌ، فَإِذَا أَمْكَنَ من انْطِلَاقِ الْأَلْسِنَةِ بِهِ فَقَدْ أَذِنَ فِي الْإِخْبَارِ عَنْهُ، عَلَى مَعْنَى إنْكَارِهِ بِالْقَلْبِ وَاللِّسَانِ وَالرَّدِّ عَلَيْهِ بِالْحُجَّةِ وَالْبُرْهَانِ.
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : قَوْله تَعَالَى ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ : كُلُّ قَوْلِ أَحَدٍ إنَّمَا هُوَ بِفِيهِ، وَلَكِنَّ الْحِكْمَةَ فِيهِ أَنَّهُ قَوْلٌ بَاطِلٌ لَا يَتَجَاوَزُ الْفَمَ، وَهُوَ الْمَوْضِعُ الَّذِي تَحَرَّكَ بِهِ ؛ لِأَنَّهُ لَا يُعْلَمُ بِاضْطِرَارٍ، وَلَا يَقُومُ عَلَيْهِ بُرْهَانٌ، فَيَقِفُ حَيْثُ وُجِدَ، وَلَا يَتَعَدَّاهُ بِحَدٍّ، بِخِلَافِ الْأَقْوَالِ الصَّحِيحَةِ، فَإِنَّهَا تَنْتَظِمُ وَتَطَّرِدُ، وَتُعَضِّدُهَا الْأَدِلَّةُ، وَتَقُومُ عَلَيْهَا الْبَرَاهِينُ، وَتَنْتَشِرُ بِالْحَقِّ، وَتَظْهَرُ بِالْبَيَانِ وَالصِّدْقِ.
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : قَوْلُهُ : يُضَاهِئُونَ : يَعْنِي يُشَابِهُونَ. وَمِنْهُ قَوْلُ الْعَرَبِ : امْرَأَةٌ ضَهْيَاءُ لِلَّتِي لَا تَحِيضُ، وَاَلَّتِي لَا ثَدْيَ لَهَا، كَأَنَّهَا أَشْبَهَتْ الرِّجَالَ.
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ : قَوْلُهُ : قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا من قَبْلُ :
فِيهِ ثَلَاثَةُ تَأْوِيلَاتٍ :
الْأَوَّلُ : قَوْلُ عَبَدَةِ الْأَوْثَانِ : اللَّاتَ، وَالْعُزَّى، وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى.
الثَّانِي : قَوْلُ الْكَفَرَةِ : الْمَلَائِكَةُ بَنَاتُ اللَّهِ.
الثَّالِثُ : قَوْلُ أَسْلَافِهِمْ، فَقَلَّدُوهُمْ فِي الْبَاطِلِ، وَاتَّبَعُوهُمْ فِي الْكُفْرِ، كَمَا أَخْبَرَ تَعَالَى عَنْهُمْ بِقَوْلِهِ : إنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَفِي هَذَا ذَمُّ الِاتِّبَاعِ فِي الْبَاطِلِ.
أحكام القرآن
ابن العربي