ﮛﮜﮝﮞﮟﮠﮡﮢﮣﮤﮥﮦﮧﮨﮩﮪﮫﮬﮭﮮﮯﮰﮱﯓﯔﯕﯖ

فقال بعد ذلك :
وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ ( ٣٠ )
هذا الادعاء فيه مساس بجلال الله تعالى، فالإنسان يتخذ ولدا لعدة أسباب ؛ إمّا لأنه يريد أن يبقى ذِكْره في الدنيا بعد أن يرحل، والله سبحانه وتعالى دائم الوجود، وإمّا لكي يعينه ابنه عندما يكبر ويضعف، والله سبحانه وتعالى دائم القوة، وإما ليرث ماله وما يملك، والله تبارك وتعالى يرث الأرض ومن عليها. وإما ليكون عزوة له، والله جل جلاله عزيز دائما. وهكذا تنتفي كل الأسباب التي يمكن أن تؤدي إلى هذا الادعاء. ولا يعقل أن يرسل الله سبحانه رسولا ليبين للناس منهج الحق فإذا به يقول للناس : إنَّه ابن الله. إذن فهم لم يؤمنوا الإيمان الكامل بالله.
ويسوق الحق تبارك وتعالى قول كل من اليهود والنصارى : وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ .
وهكذا نجد أنهم لم ينزهوا الله وأخلُّوا بالإيمان الحق. ولابد أن نعلم أمن من قالوا : إن عُزَيْزا ابن الله ليسوا هم كل اليهود، بل جماعة منهم فقط هي التي جعلت عُزَيْزا ابنا لله لما رأى أفرادها على يديه نعمة أفاءها الله تعالى عليه، فقالوا : هذه نعمة عظيمة جدا لا يمكن أن يعطيها ربنا لشخص عادي، بل أعطاها لابنه. ذلك أن اليهود بعد سيدنا موسى عليه السلام قتلوا الأنبياء، وعاقبهم الله بأن رفع التوراة من صدور الحافظين لها، ولكن طفلا لم يعجبه مشهد قتل الأنبياء فخرج شاردا في الصحراء مهاجرا وهاربا، فقابله شخص في الطريق فسأله : لماذا أنت شارد ؟ فقال : خرجت أطلب العلم. وكان هذا الشخص هو جبريل عليه السلام، فعلَّمه أن لله توراة، فحفظها فصار واحدا من أربعة، هم فقط من حفظوا التوراة : موسى، وعيسى، وعزيز، واليسع، ولأن الكتب قديما لم تكن تكتب على ورق رقيق مثل زماننا، بل كانت تكتب على الأحجار وسعف النخيل، لذلك كان وزن التوراة يقدر بسبعين حِمْل بعير، وحين رجع عزيز حافظا للتوراة، اندهش قومه وقالوا : لابد أنه ابن الله، لأن الله أعطاه التوراة وآثره على القوم جميعا١. ونشأت جماعة من اليهود تؤمن بذلك، وكان منهم سلاّم بن مشكم، وشاس بن قيس، ومالك ابن الصيف، ونعمان بن أوفى. وحينما أنزل الله قوله : وقالت اليهود عُزيز ابن الله لم ينكر اليهود المعاصرون لهذا النزول تلك المسألة ولَم يكذبوها، فكأن هناك من اليهود الذين كانوا بالمدينة من كان يؤمن بذلك، وإلا لاعترضوا على هذا القول، وهذا دليل على أن ما جاء بالآية يصدق بعضهم أو هم عالمون بأن قوما منهم قد قالوا ذلك. وكذلك قالت النصارى عن عيسى عليه السلام، فجاء قول الحق تبارك وتعالى : وقالت النصارى المسيح ابنُ الله .
ويتابع الحق : ذلك قولهم فيوضح لنا سبحانه أن النبوة لله جاءت فيها مشبهة، كان يجب أن يلتفتوا إليها وينزهوا الله عن ذلك ؛ لأن الحق سبحانه وتعالى يصف عباده بأنهم عباد الله، وأن الخلق كلهم خلق اله تعالى.
فالمولى سبحانه وتعالى وهو الخالق والقادر على كل شيء خلق كل الخلق من عدم ولم يتخذ صاحبة ولا ولدا. ولكن الشبهة عند بعض من أتباع المسيح جاءت من أنه أوجد من دون أب، ونقول لهم : لو أن هذا الأمر جاء لكم من هذا الطريق، فكان من الأوْلى أن تجيء ذات الشبهة في خلق آدم ؛ لأن قصارى ما في المسيح أنه جاء من غير أب، ولكن آدم جاء من غير أب ومن غير أم، فأيهما كان أوْلى أن يكون ابن إله ؟
ولذلك يقول القرآن الكريم : إنَّ مثَل عيسى عند الله كمثَل آدم . والحق سبحانه وتعالى يخلق الشيء-أي شيء- بأسباب، وكل الأسباب مخلوقة له، والولد منا-في جمهرة الناس- ينشأ من اجتماع الأب والأم، والشيء المراد بين شيئين له صور منطقية أربعة : إما أن يوجد بوجود شيئين ذكر وأنثى، وإما أن يوجد بانعدام الشيئين مثل آدم، وإما أن يوجد بوجود واحد من الشيئين وهو الذكر مثل حواء، فقد خلقها الله من آدم مصداقا لقوله : وخلق منها زوجها ، وإما بوجود واحد من الشيئين وهي الأنثى وخلق عيسى عليه السلام منها بدون وجود الذكر. وليعلمنا الله سبحانه وتعالى جميعا أن الأسباب لا دخل لها في التكوين، وأن المسبِّب هو القادر على أن يوجد من غير أب وأم كما أوجد آدم، وأن يوجد من أب وأم كما أوجد جمهَرة الناس، وأن يوجد من أم دون أب كما أوجد عيسى، وأن يوجد من دون آدم كما أوجد حواء.
إذن : فالقسمة دائرة بقدرة الله وإرادته، ولا دخل لأحد إلا إرادة الحق سبحانه وتعالى، فالأسباب ليست هي الفاعلة في ذاتها، بل إرادة الخالق سبحانه وتعالى هي الفاعلة، ولذلك يقول المولى سبحانه وتعالى :
لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ ( ٤٩ ) أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا وَيَجْعَلُ مَنْ يَشَاءُ عَقِيمًا إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ ( ٥٠ ) ( الشورى )أي : قد يوجد الذكر والأنثى ولا يعطي لهما الحق عز وجل أولادا، وهذه طلاقة قدرة من الله تعالى، فإياك أن تقول إنها بأسباب، بل سبحانه وتعالى يَهَبُ لمن يشاء إناثا، ويهب لمن يشاء ذكورا، ويجمع لمن يشاء بين الذكور والإناث، ويجعل من يشاء عقيما، وكان استقبال الناس للمواليد يختلف ؛ فالعرب كانوا يحبون إنجاب الذكر ؛ لأنه قوي ويحقق العزوة ويركب الخيل، ويحارب الأعداء. ولم يكونوا يحبون الفتاة لأنها قد تأتي منها الفضائح، ولذلك يقول الحق تبارك وتعالى :
وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالأُنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ ( ٥٨ ) يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ أَلاَ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ ( ٥٩ ) ( النحل ).
وجاء الإسلام ليوضح : أنه مادام لا دخل لك في الإنجاب والإنسال، فَدع الأمر لمن يهب الأبناء. وقد سمى الحق تبارك وتعالى الأبناء " هبة " ليذكرك أن الإنجاب شيء أعطاه سبحانه لك بلا مقابل منك، فالذكور هبة، والإناث أيضا هبة. فلا تفضل تلك الهبة عن هذه الهبة. ودائما أقول للذي ينجب بنات، ويذهب هو وزوجته إلى الأطباء : لو استقبلتم هبة الله في الإناث كما تستقبلونها في الذكور، فإن الحق سبحانه وتعالى يجزيكم جزاء لا يخطر لكم على البال، فيحسن الله كل ابنة لكم في عين رجل صالح ويتزوجها، فإن كُن عشر بنات فهن يأتين بعشرة رجال أزواج يعاملون الأب والأم لكل زوجة معاملة الأب والأم، وهكذا يرزق الله من يرضى بقسمة الله في الإنجاب، ويصبح أزواج البنات أطوع من الأبناء الذكور، فالذي يرضى بالهبة في الإناث يوضح له الله : رضيتَ بهبتي فيك ولم تكن على سنة العرب من كراهة الإناث ؛ لذلك أهبك من أزواج البنات أبناء لم تتعب في تربيتهم ويكونون أكثر حنانا وولاء من أي أبناء تنجبهم أنت. ولذلك إذا ما وجدت إنسانا قد وُفِّقَ في زيجات بناته، من رجال يصونون أعراضهم ويحسنون معاملة أهل الزوجة، فاعلم أن الأب قد استقبل ميلاد الأنثى بالرضا ؛ لأنها هبة الله. ويقول المولى سبحانه وتعالى :
وَيَجْعَلُ مَنْ يَشَاءُ عَقِيمًا ( الشورى : ٥٠ ).
إذن : فالعقم أيضا هبة إلهية ؛ لأن الإنسان إذا ما استقبل العقم برضا الله ؛ لَوَجَدَ في كل رجل يراه ابنا له ؛ لأنه استقبل الهبة في المنع برضا، مثله مثل من استقبل الإناث كاستقبال الذكور. إذن : مادامت المسألة هبة من الله فيجب أن تستقبل عطاء الله ومنعه بالرضا.
وعيسى عليه السلام جاء بنسبة طلاقة القدرة من الخالق سبحانه وتعالى ؛ لأن القسمة العقدية والعقلية لا تتم إلا به، ولن تتكرر، لأن آدم وُجِدَ أولا، ومن وجدوا بعد آدم جاء كل منهم من أبوين، وكذلك حواء وُجدت من قبلهم، فهذه ثلاث صور قد وجدت في الكون وبقيت صور ناقصة، هي أن يوجد إنسان من أم دون أب، فأتمها الله عز وجل بعيسى عليه السلام :
وقالت النصارى المسيح ابن الله ذلك قولهم بأفواههم
وقول الحق ذلك إشارة إلى القول بأن المسيح ابن الله أو عزيز ابن الله، ويضيف الحق عز وجل توضيحا قولهم بأفواههم . ونسأل : وهل يوجد قول بغير أفواه ؟ إن كل قول إنما يكون بالأفواه ؛ حتى قول المؤمنين بأن الله واحد وأن محمدا رسول الله هو قول بالأفواه. ونقول : هناك قول بالفم فقط دون أن يكون له معنى من المعاني، وهناك قول بالفم أيضا وله معنى، إلا أنه غير حقيقي، وكاذب.
ولنعرف أولا : ما هو القول ؟ إنه كلام يعبر به كل قوم عن أغراضهم ؛ كأن تقول للطفل : اجلس، ولابد أن يكون الطفل فاهما لمعنى الجلوس، وإن قلتها بالعربية لطفل إنجليزي فلن يفهم معناها.
إذن : فاللغة ألفاظ يعبر بها كل قوم عن أغراضهم، والغرض هو معنى متفق عليه بين المتكلم والسامع، ولابد أن يعرف الاثنان ما يشير إليه اللفظ من موضوعات. فإن لم يعرف السامع اللفظ الذي يتكلم به المتكلم فهو لا يفهم شيئا.
وهكذا نعلم أن الفهم بين المتكلم والمخاطب يشترط فيه أن يكونا عليمين باللفظ، فإذا تكلم متكلم بشيء لا علم للسامع به ؛ فهو لا يفهم. وكانوا يضربون لنا المثل قديما بعلقمة النحوي وكان مشهورا في النحو والألفاظ واللغة، ويتقعر في استخدام الكلمات، ولا يتكلم إلا باللغة الفصيحة الشاذة التي لا يعرفها الناس، وكان عند علقمة خادم، فمرض علقمة النحوي مرة وذهب إلى طبيب اسمه " أعجز " ليشكو له علة عنده، وقال علقمة للطبيب : قد أكلت من لحوم هذه الجوازئ فقصأت منها قصأة أصابني منها وجع الوابية إلى دأبة العنق، ولم يزل يمني حتى خالط الخلب وأملت منه السراسيب. ولم يكن الطبيب متخصصا في اللغة ولا معاجم عنده، فوقف مستغربا من كلمات علقمة وقال له : أعدْ عليَّ ما قلته فإني لم أفهم، فأعاد علقمة عليه ما قاله بغضب ولوم لأنه لم يفهم لغته، وعرف الطبيب تقعر علقمة فقال له : هات القلم والورقة لأكتب لك الدواء، وكتب له : خذ حرقة وسلقة ورهرقة واغسله بماورس واشربه بماء ماء. فقال علقمة : أعِدْ عليَّ فو الله ما فهمت شيئا، فقال الطبيب : لعن الله أقلَّنا إفهاما لصاحبه. وعرف علقمة أنه متقعر في اللغة ويأتي بألفاظ ليست من الألفاظ الدائرة على ألسن الناس. وقال أساتذتنا لنا : ولم يؤدبه عن هذا إلا غلامه أي خادمه، فقد استيقظ علقمة ذات ليلة وقال : يا غلام أصعقت العتاريف، ولأن الغلام لم يفهم فقد رد قائلا : زقفيلا، وقال علقمة للغلام : وما زقفيل ؟ قال : وأنت ما أصعقت العتاريف ؟ فقال له : يا بني لقد أردت أصاحت الديكة ؟ فقال : وأنا أردت لم تَصِحْ.
وهنا يقول الحق سبحانه وتعالى : ذلك قولهم بأفواههم إذن : القول هو اللفظ الملفوظ من الفم، وهذا القول إما أن يكون له معنى، وإما ليس له معنى. مثل كلمة " زقفيل " التي قالها خادم علقمة، هذه الكلمة ليس لها وجود في اللغة فهي قول باللسان ليس له معنى. وقد يكون لقول له معنى ؛ إلا أنه كلام باللسان لا

١ انظر قصة العُزيز هذه في تفسير القرطبي (٤/٣٠٤٣) وابن كثير (٢/٣٤٨) والعزيز هو نبي من أنبياء بني إسرائيل وهو الذي ضربه الله مثلا لإحياء الموتى في قوله تعالى: أو كالذي مرَّ على قرية وهي خاوية على عروشها قال أنى يُحيي هذه الله بعد موتها فأماته الله مائة عام ثم بعثه... (البقرة: ٢٥٩). قال ابن كثير في قصص الأنبياء(ص ٣٨٠): "روى ابن عساكر عن ابن عباس أنه سأل عبد الله بن سلام عن قوله تعالى: وقالت اليهود عزيز ابن الله لم قالوا ذلك؟ فذكر له ابن سلام ما كان من كَتْبه لبني إسرائيل التوراة من حفظه، وقول بني إسرائيل: لم يستطع موسى أن يأتينا بالتوراة إلا في كتاب، وإن عزيزا قد جاءنا بها من غير كتاب. فرماه طوائف منهم وقالوا: عزيز ابن الله"..

تفسير الشعراوي

عرض الكتاب
المؤلف

الشعراوي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير