ﮛﮜﮝﮞﮟﮠﮡﮢﮣﮤﮥﮦﮧﮨﮩﮪﮫﮬﮭﮮﮯﮰﮱﯓﯔﯕﯖ

ذلك قولهم بأفوههم يضهئون قول الذين كفروا من قبل قتلهم الله أنى يؤفكون [ التوبة : آية ٣٠ ] قرأ هذا الحرف عامة القراء السبعة غير عاصم والكسائي : وقالت اليهود عزير ابن الله بلا تنوين على الراء. وقرأه عاصم والكسائي : وقالت اليهود عزير ابن الله بتنوين الراء (١). وقرأ عامة السبعة غير عاصم : يضاهون قول الذين كفروا بضم الهاء ليس بعدها همزة. وقرأ من السبعة عاصم وحده : يضهئون قول الذين كفروا بكسر الهاء وهمزة بعده (٢).
وفي الآية التي قبل هذا أمر الله ( جل وعلا ) بعقوبة أهل الكتاب بقوله : قتلوا ثم بين موجب تلك العقوبة بقوله : الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الأخر ثم أكد موجب عقوبته بقوله هنا : وقالت اليهود عزير ابن الله وقالت النصرى المسيح ابن الله يعني : هؤلاء الذين أمرنكم بقتالهم مرتكبون من الجرائم ما يستوجب قتالهم حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صغرون [ التوبة : آية ٢٩ ] فأوجب على أهل الكتاب عقوبات شديدة، منها : قتالهم حتى يدفعوا الجزبة عن يد وهم صغرون أخساء أذلاء. وكذلك لحقارتهم على الله/ بينا أن النبي صلى الله عليه وسلم أوصى بإخراجهم من جزيرة العرب [ وتطهيرها منهم ] (٣). ومن آخر ما أوصى به النبي صلى الله عليه وسلم تطهير جزيرة العرب من اليهود والنصارى وسائر المشركين (٤). ولا شك أن هذا أمر مهم، لو لم يكن مهما لما أوصى به النبي عند موته ( صلوات الله وسلامه عليه )، ولكنه ( صلوات الله وسلامه عليه ) علمنا في هذا الدين العظيم أن له عزائم ورخصا، فهذا الدين العظيم أنزله الله منقسما إلى عزائم ورخص، فعزائمه : تستعمل عند الأوقات المناسبة لها، ورخصه : تستعمل عند الأوقات المناسبة لها ؛ لأن الدين السماوي لا بد أن يكون مشتملا على مواجهة التطورات والأحداث حيث ما كانت وأيا ما كانت، ففي كل حال له فيها مواجهة.
ونريد هنا أن نبين بعض الأشياء التي يجوز أخذها من الكفار والتي لا يجوز أخذها ؛ ليكون المسلم على بصيرة من ذلك، ويعلم ما ينبغي وما لا ينبغي، ويفرق بين ما يضر وما لا يضر. لا شك أنه إن كانت القوة كاملة للمسلمين من غير حاجة للكفار في شيء أنهم يقومون بأنفسهم ويقيمون عزائم الله في المشركين من قتل حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون، وتطهير جزيرة العرب منهم إلى غير ذلك مما قدمنا أنه لا بد منه في كل الأحوال وفي كل الظروف، أي : إذا كان محل العزائم والمسلمون في قوتهم كما ينبغي، أما إذا كان المسلمون في ضعف عن ذلك، أو في حاجة ماسة ضرورية إلى الكفار فلكل حال مقال، وقد علمنا النبي صلى الله عليه وسلم المخرج في جميع هذه الأشياء، فهو ( صلوات الله وسلامه عليه ) لما أمكنه أن يجلي بني قينقاع من غير حاجة المسلمين ولا ضرورة عليهم أجلاهم من المدينة إلى أطراف الشام، ولما أمكنه بعد ذلك أن يجلي بني النضير أجلاهم من المدينة إلى أطراف الشام كما سيأتي في قوله : هو الذي أخرج الذين كفروا من أهل الكتب من ديرهم لأول الحشر ما ظننتم أن يخرجوا... إلى آخر الآيات [ الحشر : آية ٢ ]. ولما كانت حاجة المسلمين ماسة إلى عدم إجلاء خيبر لم يجلهم بل عاملهم ليتولوا القيام على نخل خيبر وأرضها، وأعطاهم شطر ثمار نخل خيبر وما يخرج من أرضها، وهو صلى الله عليه وسلم عازم على إخراجهم عندما أمكنت الفرصة، وصار وقت العزيمة، وانتهى وقت الرخصة ؛ ولذا ثبت في بعض الروايات الصحيحة أنهم لما قالوا له : أقرنا على الأرض نقوم على نخلها وزرعها بشطرها. قال لهم صلى الله عليه وسلم : " نقيمكم على ذلك ما شئنا، وإن شئنا أن نخرجكم أخرجناكم " (٥) لأنه عازم على إخراجهم ( صلوات الله وسلامه عليه )، عندما تسنح الفرصة المواتية لذلك، فالعزيمة لها وقتها، وإذا كان الوقت للعزيمة لا يجوز أن تهمل بحال من الأحوال، فإذا كان الظرف مناسبا للرخص أعملت الرخص ؛ لأن دين الإسلام دين مرن صالح لمواجهة جميع التيارات والأحداث والتطورات، وقد قدمنا في سورة [ آل عمران ] (٦) طرفا جيدا من هذا في الكلام على قوله : لا يتخذ المؤمنون الكفرين أولياء من دون المؤمنين ومن يفعل ذلك فليس من الله في شيء إلا أن تتقوا منهم تقة [ آل عمران : آية ٢٨ ] أي : إلا أن تخافوا منهم خوفا فلذلك حال وحكم آخر.
واعلموا – أيها الإخوان – أن المؤسف كل المؤسف هو أن الذي يجوز لنا أن نأخذه من الكفار والذي يمتنع علينا أن نأخذه منهم معكوس في أقطار المعمورة الآن ! ! يأخذون منهم ما لا يحل أخذه، ويتركون ما لا ينبغي تركه، فيعكسون القضية عكسا تاما ! ! وإيضاح هذا المعنى أنه يجوز للمسلمين أن ينتفعوا بأعمال الكفار التي هي أمور دنيوية بحتة ويحذروا كل الحذر من أن يقلدوهم في شيء من أوامر الدين. وسنذكر لكم أمثلة من هذا يتضح بها المقام (٧) : هذا سيد الخلق محمد بن عبد الله – صلوات الله وسلامه عليه – لما تواطأت عليه قوى الشر واضطروه أن يخرج من مسقط رأسه – كما قدمنا في سورة الأنفال في الكلام على قوله تعالى : وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك [ الأنفال : آية ٣٠ ] ودخل هو وصاحبه في غار كما سيأتي تفصيله في هذه السورة الكريمة إن شاء الله – وجد في ذلك الوقت كافرا من بني دؤل بن كنانة يسمى عبد الله بن الأريقط، وكان في ذلك الوقت كافرا من عبدة الأوثان، إلا أن عنده خبرة دنيوية بالطرق من مكة إلى المدينة ؛ لأنه ( صلوات الله وسلامه عليه ) في ذلك الوقت محتاج إلى خيبر بالطرق ؛ لأن الطرق المعهودة السابلة أمسكها الكفار وجعلوا جعائل من أتى بمحمد صلى الله عليه وسلم أن يعطوه الأموال الكثيرة، فصار لا يمكن أن يسير في الطرق المعهودة والسبل السابلة، بل لا بد أن يذهب من بنيات طرق ليست هي المعهودة، وهذه تحتاج إلى خبرة خاصة، ووجد هذه الخبرة عند كافر من بني دؤل بن كنانة يسمى عبد الله بن الأريقط، فأودعه رواحله وأعطاه الموعد، وكان ذلك الكافر أمينا معه، فجاءه في الموعد وذهب به وجاء به من طرق غير معهودة حتى أوصله المدينة بسلام (٨). فالنبي صلى الله عليه وسلم عند الحاجة انتفع بخبرة هذا الكافر ولم يقل : هذه خبرة نجسة قذرة لأنها من كافر، بل انتفع بها على حد قولهم " اجتن الثمار وألق الخشبة في النار ". وكذلك لما سمع بالكفار في غزوة الأحزاب قال له سلمان الفارسي – كما هو مذكور في الأخبار والسير – : كنا إذا خفنا خندقنا (٩). فأشار إليه بالخندق، وهو خطة حربية عسكرية، فقام النبي صلى الله عليه وسلم وانتفع بهذه الخطة الحربية العسكرية وإن كانت ابتدعتها أذهان فارس الذين هم كفرة يعبدون النار، ولم يقل : هذه خطة نجسة قذرة ؛ لأن أصلها من الكفار ! ! بل انتفع بما ينفعه في دنياه وهو محافظ على دينه. وقد ثبت في صحيح مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم هم أن يمنع الرجال من أن يطؤوا نساءهم في حالة إرضاعهم ؛ لأن العرب كانوا يظنون أن الرجل إذا أتى أبوه أمه وهي ترضعه أن ذلك يضعف عظمه ويترك فيه ضعفا طبيعيا ! ! كانوا إذا ضرب الرجل ونبا سيفه عن الضريبة قالوا : هذا من آثار الغيلة، وهي وطء المرضع ! ! وكان شاعرهم يقول (١٠) :
فوارس لم يغالوا في رضاع فتنبوا في أكفهم السيوف
فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم عن فارس والروم أنهم يفعلون ذلك ولا يضر أولادهم (١١)، فأخذ هذه الخطة الطبية من فارس والروم ولم يمنعه خبث من جاء بها عن أن يأخذها. فهذا تعليم الصادق المصدوق ( صلوات الله وسلامه عليه ).
ومما هو واضح أن ما جاء به الكفرة الفجرة الخنازير الذين يسمون أنفسهم ( أهل الحضارة ) أنهم جاؤوا بماء زلال، وجاؤوا بسم فتاك قاتل ؛ لأن ما في الحضارة الغربية من المنافع الدنيوية لا يحتاج أن ينوه عنه، فهم خدموا الإنسان – من حيث إنه جسم – خدمة هائلة ما كانت تخطر على البال ولا يحتاج أن ينوه عنها، ولكنهم بالنسبة إلى الروح وإلى عنصر الإنسان من حيث كونه روحا مفلسون كل الإفلاس. فعلى المسلمين أن يميزوا بين ما يضر وما لا يضر، فيأخذوا منهم الأمور الدنيوية فينتفعوا بخبرتهم في الأمور كما انتفع صلى الله عليه وسلم في الأمور الدنيوية من الكفار، أما أنهم يأخذون عنهم كفرهم وتمردهم على الله وإفلاسهم الروحي النهائي فهذا مما لا يجوز ولا كان ينبغي لعاقل أن يفعله.
ونحن دائما نبين الموقف السليم في الأوضاع الراهنة للإسلام والمسلمين، وتعرضه على الدليل العظيم المعروف عند علماء الأصول ب( السبر والتقسيم )، وعند علماء المنطق. ب( الشرطي المنفصل )، وعند علماء الجدل ب( الترديد والتقسيم ) (١٢)، فنقول : إن موقف المسلمين مما أحدثته الحضارة الغربية التي صارت سبب ضلال ودمار مع ما أدخل في الثقافات من البلايا والولايات، نقول : وهو بالتقسيم الصحيح منحصر في أربعة أقسام حصرا استقرائيا (١٣)، وقد تقرر في علم البحث والمناظرة، وعلم الأصول أن للحصر طريقين : أولهما : أن نقول : يجب علينا أن نأخذ جميع ما أنتجته الحضارة الغربية من مائها الزلال وسمها الفتاك ضارها، أو نأخذ ضارها ونترك نافعها، فهي أربعة أقسام بالحصر الاستقرائي، فإذا رجعنا لهذه الأقسام الأربة بالسبر الصحيح نجد ثلاثة منها باطلة، وواحد صحيحا، وهذه فائدة السبر والتقسيم، والتقسيم : يحصر الأوصاف، والسبر : يميز بين خبيثها وطيبها وصالحها وطالحها. فلو قلنا : نأخذ جميع ما أنتجته الحضارة الغربية، فإن من أراد أن يأخذ الماء الزلال ممزوجا بالسم الفتاك القتال لا ينتفع بالماء، ومن أراد تقدما من الأمور الدنيوية التي عندهم مع ما فيها من الانحلال، وضياع الأخلاق، والتمرد على نظام السماء، والإلحاد والكفر بخالق السماوات والأرض، فهذا لا ينفع معه شيء، إذا الدين لم يكن فلا كانت الدنيا. فهذا قسم باطل يقينا، ولو قلنا : نتركها جميعا، فهذا القسم باطل أيضا ؛ لأن ترك الأخذ بالقوة تواكل وعجز وتمرد على نظام السماء ؛ لأن الله يقول : وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة [ الأنفال : آية ٦٠ ]. فترك القوة الاستعداد للعدو مخالف للشرع الكريم، ومخالف للفطر السليمة، فالحياة بتطوراتها الراهنة لا يجوز للمسلمين أن يتركوا استعمال القوة وجميع أنواع الوسائل لتكون عندهم قوة يدافعون بها عن أنفسهم ودينهم، فهذا القسم باطل أيضا.
القسم الثالث : وهو أن يؤخذوا سمها فقط، ويترك زلالها فمن وجد ماء زلالا وسما فاتكا قتالا، واختار السم على الماء فهذا مجنون أهوج ! !
أما أن نأخذ نافعها ونترك ضارها، فهذا هو اللائق بكل عاقل أن يأخذ ما ينفعه ويترك ما يضره.
والمؤسف كل المؤسف أن الذين تأثروا بهذه الحضارة من الناس الذين أصلهم مسلمون لم يأخذوا من هذه الحضارة إلا سمها الفتاك القتال، ولم ينتفعوا بمائها الزلال، فتراهم يقلدونهم في الإلحاد والكفر بالله والمسخرة من الدين، والاستهزاء بآيات الله، في الوقت الذي لم يأخذوا عنهم شيئا مما أنتجوه من الأمور النافعة في الدنيا.
ما أحسن الدين والدنيا إذا اجتمعا وأقبح الكفر والإفلاس بالرجل (١٤)
فهم يجمعون بين الكفر والإفلاس – والعياذ بالله – وهذا الشيء الذي طبق المعمورة وانتشر في أقطار الدنيا فإنا لله وإنا إليه راجعون.
وعلى كل حال فدين الإسلام هو هو، وصلته با

١ انظر: المبسوط لابن مهران ص ٢٢٦..
٢ السابق ص ٢٢٦..
٣ في الأصل: "وتطهيرهم منها". وهو سبق لسان..
٤ مضى تخريجه قريبا..
٥ البخاري في الحرث والمزارعة، باب: إذا قال رب الأرض: أقرك ما أقرك الله، حديث رقم: (٢٣٣٨) (٥/ ٢١)، ومسلم في المساقاة، باب: المساقاة والمعاملة بجزء من الثمر والزرع. حديث رقم: (١٥٥١) (٣/ ١١٨٧)..
٦ في الأصل: "النساء". وهو سبق لسان..
٧ راجع ما سبق عند تفسير الآية (١١٥) من سورة الأنعام..
٨ السابق..
٩ السابق..
١٠ السابق..
١١ السابق..
١٢ مضى عند تفسير الآية (١٤٤) من سورة الأنعام..
١٣ مضى عند تفسير الآية (١١٥) من سورة الأنعام..
١٤ تقدم هذا البيت عند تفسير الآية (١٥٥) من سورة الأنعام..

العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير

عرض الكتاب
المؤلف

الشنقيطي - العذب النمير

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير