(.... ) (١) بهمزة محققة، وقرأه ورش وحده عن نافع : إنما النسي زيادة في الكفر [ التوبة : آية ٣٧ ] بياء مشددة، وما زعمه بعضهم – وقال به ابن جرير – من أن قراءة ورش هذه عن نافع غلط (٢). خلاف التحقيق، بل هي قراءة سبعية صحيحة لا كلام فيها قرأ بها ورش عن نافع إنما النسيي زيادة في الكفر أبدلت الهمزة ياء، ثم أدغمت الياء في الياء كما يقرأ بعض القراء : النبيء بالهمزة وبعضهم يقرأ النبي (٣) بتشديد الياء (٤).
وقرأ قوله : يضل به الذين كفروا قرأه نافع وابن كثير وأبو عمرو وابن عامر وشعبة عن عاصم : يضل به الذين كفروا بفتح الياء وكسر الضاد، مضارع ( ضل يضل ) مجردا لازما، وقرأه حمزة والكسائي وحفص عن عاصم : يضل به الذين كفروا بضم الياء وفتح الضاد مبنيا للمفعول (٥).
أما قراءة يضل به الذين كفروا و يضل به الذين كفروا فليستا سبعيتين (٦).
وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو : زين لهم سوء وعمالهم بإبدال الهمزة الثانية واوا. وقرأه غيرهم من السبعة : سوء أعملهم بتحقيق الهمزة الثانية (٧). هذه هي القراءات السبعية في الآية.
وسبب نزول هذه الآية الكريمة هو ما أشرنا إليه بالأمس أن الكفار كانوا يتلاعبون في الأشهر الحرم (٨)، وبعضهم يقول : في أشهر الحج، فيحرمون منها ما لم يحرمه الله، ويحلون ما لم يحلله الله (٩). فبين ( جل وعلا ) في هذه الآية أن ذلك كفر على كفر، أنه كفر ازدادوا به كفرا على كفرهم الأول.
والعلماء مختلفون في أول من سن هذه السنة السيئة الخبيثة، وهي سنة النسيء. فكان بعض العلماء يقول : أول من أحدثه الملعون عمرو بن لحي بن قمعة بن إلياس بن مضر، وهو الخبيث الذي هو أول من جاء بالأصنام إلى جزيرة العرب، وهو أول من بحر البحائر فيها، وسيب السوائب، وغير معالم دين إبراهيم التي كانت في جزيرة العرب عليه لعائن الله (١٠).
وأكثر المؤرخون يقولون : إن أول من سن هذه السنة القبيحة قوم من بطن من بني كنانة يسمى بني فقيم، وهم من أولاد مالك بن كنانة، يزعم العرب أنهم كانوا متمسكين بدين إبراهيم، وكانوا يشرعون لهم ما شاؤوا، ويتبعونهم فيما شاؤوا، يقال : إن أول من فعل ذلك منهم رجل يسمى نعيم بن ثعلبة (١١).
والذي قاله غير واحد من المؤرخين وأوضحه ابن إسحاق في سيرته أن أول من فعل هذا منهم رجل يسمى القلمس. والدليل على ذلك موجود في أشعارهم. واسم القلمس هذا حذيفة بن عبيد بن فقيم، وبنو فقيم بطن من بني مالك بن كنانة. كان هذا الرجل الذي هو حذيفة المعروف بالقلمس يقول لهم : سأؤخر عنكم تحريم المحرم وأنسؤه إلى صفر، فاذهبوا فقاتلوا في المحرم فإني حولت حرمته إلى صفر. فهم يتبعونه، ثم لما مات القلمس قام بهذا الأمر بعده ابنه العباد بن القملس، فكان يحل لهم هذا التحليل وهذا التحريم، ثم لما مات العباد قام به بعده ابنه قلع بن عباد، ثم لما مات قام به بعده ابنه أمية بن قلع بن عباد، ثم لما مات قام به بعده ابنه عوف بن أمية، ثم لما مات قام به بعده ابنه جنادة بن عوف المعروف بأبي ثمامة، كنيته ككنية مسيلمة الكذاب، وهو الذي قام عليه الإسلام وهو بهذه السنة السيئة الخبيثة. كانوا إذا انتهت أيام حجهم وانقضت أيام منى وذهبوا إلى هذا الرجل الذي هو أبو ثمامة جنادة بن عوف بن أمية الكناني فيقول : أنا الذي لا يعاب ولا يجاب، ولا مرد لما أقول، أخرت عنكم تحريم المحرم إلى صفر (١٢). فيتبعونه، فجاء الإسلام بتغيير هذا ورد كل شيء إلى محله.
وقد ذكرنا بالأمس أن العلماء اختلفوا في الأشهر الحرم هل حرمتها باقية إلى الآن ؟ ويكون من نسأ النسيء الآن ازداد كفرا وفعل كفرا. أو هي منسوخة ولا تحريم في الأشهر الحرم، وأن قتال العدو يجوز في جميع الأشهر (١٣) ؟ وذكرنا بالأمس أن المشهور عند العلماء الذي عليه الأكثر أنه قد نسخ تحريم الأشهر الحرم، واستدلوا على ذلك بظواهر آيات ليست صريحة في ذلك، ومن أصرح ما استدلوا به هو ما ذكرنا من أنه ثبت في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم حاصر ثقيفا في غزوة الطائف بعضا من ذي القعدة (١٤). وهذا ثابت في الصحيحين ثبوتا لا مطعن فيه. قالوا : لم تنسخ لما حاصر النبي صلى الله عليه وسلم ثقيفا في ذي القعدة وهو شهر حرام. وقد ذكرنا بالأمس أن الذي كان يظهر لنا وننصره أن تحريم الأشهر الحرم قد نسخ، وأن الذي تحققناه بعد ذلك وصرنا نجزم به أنها باقية التحريم إلى الآن، ولم ينسخ تحريمها، كما كان يقسم عليه عطاء بن أبي رباح ( رحمه الله )، كان يحلف أن حرمتها باقية (١٥). ومن أصرح الأدلة في ذلك هو الحديث الذي أشرنا إليه أمس ؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم خطب به يوم النحر في حجة الوداع عام عشر، ولم يعش بعد ذلك إلا نحو ثمانين يوما، وقد صرح فيه بأن ذلك الشهر حرام، وذلك اليوم حرام، وذلك البلد حرام (١٦)، ولم يأت بعد ذلك شيء ينسخ هذا التحريم الثابت عنه ( صلوات الله سلامه عليه ).
وهذه الآية الكريمة قبل أن نشرع في تفسيرها نشير إلى أن فيها حكما يجب على كل مسلم أن يعتبر به وينظره ؛ لأن هؤلاء القوم كفار، كانوا يسجدون للأصنام، فلما أحل لهم رجل شيئا حرمه الله، وحرم عليهم شيئا أحله الله، وهم يعلمون أن الله حرم تلك الأشهر الحرم، ولا يشكون في ذلك، وأن هذا الرجل الكناني أحل لهم ما حرمه الله، وحرم عليهم ما أحله الله، فاتبعوا تحريم هذا الإنسان، فصرح الله بأن هذا كفر جديد ازدادوه إلى كفرهم الأول. فهذه الآية الكريمة من سورة براءة من أصرح النصوص القرآنية في أن كل من اتبع نظاما غير نظام الله، وتشريعا غير تشريع الله، وقانونا غير قانون الله، أنه كافر بالله، إن كان يزعم الإيمان فقد كفر، وإن كان كافرا فقد ازداد كفرا جديدا إلى كفره الأول. والآيات الدالة على هذا المعنى لا تكاد تحصيها في هذا المصحف الكريم، الذي هو أعظم كتاب أنزله الله من السماء إلى الأرض، وهو آخر كتاب أنزله الله على أكرم نبي، وآخر نبي جمع فيه له علوم الأولين والآخرين. وسنذكر لكم طرفا من ذلك كما ذكرناه قبل هذا مرارا (١٧)نبين به أن الحلال هو ما أحله الله، والحرام هو ما حرمه الله، والدين هو ما شرعه الله، وأن كل من اتبع نظاما وتشريعا وقانونا – ولو سماه ما سماه – غير ما أنزله الله في وحيه على نبيه صلى الله عليه وسلم أنه كافر بذلك، فإن كان كافرا قبله ازداد كفرا جديدا إلى كفره الأول، وإن كان يزعم الإيمان فقد جاء بما يكفر به. ومن أصرح الأدلة في هذا : المناظرة العظيمة المشهورة التي وقعت بين الكفار والمسلمين في حكم من أحكام الحلال والحرام، فالمسلمون يقولون : إن هذا الأمر حرام. ويستدلون بنص من نصوص الوحي. وحزب الشيطان وتلامذته وأتباعه يقولون : إن هذا الحكم حلال. ويستدلون على ذلك بفلسفة من وحي الشيطان. ويأتي كل منهم بدليله، فلما تحاجوا وتخاصموا وحصل الجدال بينهم في ذلك أفتى الله تعالى بنفسه فتوى سماوية تتلى علينا قرآنا في سورة الأنعام، وإيضاح هذا : أن الشيطان – لعنه الله – جاء كفار قريش وقال لهم : سلوا محمدا صلى الله عليه وسلم عن الشاة تصبح ميتة، من هو الذي قتلها ؟ فأجابهم : الله قتلها. فقالوا : إذن ما ذبحتموه بأيديكم حلال، وما ذبحه الله بيده الكريمة بسكين من ذهب تقولون : هو حرام، فأنتم إذن أحسن من الله ! ! فأنزل الله في ذلك بإجماع العلماء في سورة الأنعام هذه الفتوى السماوية بعد أن بين الله خصام المتخاصمين فيها فقال : ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه الميتة. وإن زعم حزب الشيطان أنها ذبيحة الله، وأن ما قتله الله أحل مما قتله الناس. ثم قال : وإنه لفسق الضمير في قوله : إنه راجع إلى المصدر الكامن في جوف الفعل الصناعي في قوله : تأكلوا أي : وإنه أي : الأكل من الميتة لفسق أي : خروج عن طاعة الله، وأطهر مما قتله الناس. ثم قال : وإن الشيطين ليوحون إلى أوليائهم ليجدلوكم ليوحون إلى أوليائهم وحي الشيطان ليجدلوكم بالوحي الشيطاني، وهو قولهم : ما ذبحتموه حلال، وما قتله الله حرام، فأنتم إذا أحسن من الله ! ! ثم أفتى الله الفتوى السماوية التي تتردد في آذان الخلق مساء وصباحا يقوله : وإن أطعتموهم إنكم لمشركون [ الأنعام : آية ١٢١ ] وإن أطعتم أتباع الشيطان في تحليل ما حرمه الله إنكم لمشركون بالله شركا أكبر، كما قال في هؤلاء إنما النسئ زيادة في الكفر [ التوبة : آية ٣٧ ] وهذا الشرك شرك أكبر مخرج عن الملة ؛ لأنه شرك طاعة، وشرك الطاعة شرك في الحكم، والشرك في الحكم كالشرك في العبادة لا فرق بينهما البتة ؛ لأن الله هو الملك الجبار العظيم الأعظم لا يرضى أن يكون معه شريك في عبادته ولا أن يكون معه شريك في حكمه سبحانه ( جل وعلا ) أن يكون له شريك في عبادته أو شريك في حكمه، وقد بين هذين الأمرين في سورة واحدة من كتابه وهي سورة الكهف، فقال في الإشراك به في عبادته : فمن كان يرجوا لقاء ربه فليعمل عملا صلحا ولا يشرك بعبادة ربه أحدا [ الكهف : آية ١١٠ ] وقال في الإشراك به في حكمه : له غيب السموت والأرض أبصر به وأسمع ما لهم من دونه من ولي ولا يشرك في حكمه أحدا [ الكهف : آية ٢٦ ] فمن اتخذ تشريعا غير تشريع الله، واتبع نظاما غير نظام الله، وقانونا غير ما شرعه الله – سواء سماه نظاما أو دستورا، أو سماه ما سماه – هو كافر بالله ؛ لأنه يقدم على نور السماء الذي أنزله الله ( جل وعلا ) على رسله ليستضاء به في أرضه، وتنشر به عدالته وطمأنينته ورخاؤه في الأرض.
وهذا مما لا نزاع فيه، وهذا الشرك الذي هو شرك اتباع، اتباع قانون ونظام وتشريع هو الذي يوبخ الله مرتكبه يوم القيامة على رؤوس الأشهاد في سورة يس في قوله تعالى : ألم أعهد إليكم يبني ءادم أن لا تعبدوا الشيطين.... [ يس : آية ٦٠ ] ما عبدوا الشيطان بأن سجدوا للشيطان، ولا ركعوا للشيطان، ولا صاموا له، ولا صلوا، وإنما عبادتهم للشيطان هي اتباع ما سن لهم من النظم والقوانين من الكفر بالله ومعاصي الله. ثم قال : وإن اعبدوني هذا صرك مستقيم ( ٦١ ) ولقد أضل منكم جبلا كثيرا [ يس : الآيتان ٦١، ٦٢ ] أي : خلائق كثيرة لا تحصى.
ثم وبخ عقولهم فقال : أفلم تكونوا تعقلون [ يس : آية ٦٢ ] ثم ذكر المصير النهائي في قوله : هذه جهنم التي كنتم توعدون ( ٦٣ ) اصلوها اليوم بما كنتم تكفرون ( ٦٤ ) الآيات [ يس : الآيتان ٦٣، ٦٤ ]. وهذا هو معنى قول إبراهيم : يأبت لا تعبد الشيطن [ مريم : آية ٤٤ ] أي : لا تتبع ما شرع لك الشيطان وسنه من الكفر بالله، ومعاصي الله، وهو معنى قوله : إن يدعون من دونه إلا إنثا وإن يدعون إلا شيطنا [ النساء : آية ١١٧ ] أي : ما يدعون إلا الشيطان، وهو دعاء عبادة باتباع نظامه وتشريعه. وهو أصح الوجهين في قوله ( جل وعلا ) في الملائكة : أهؤلاء إياكم كانوا يعبدون [ سبأ : آية ٤١ ] أي : يتبعون الشياطين ويعبدونهم باقتفاء ما يسنون لهم من القوانين والنظم، وهذا أمر لا نزاع فيه، فكل من يتبع نظام أحد وتشريع أحد وقانونه فهو متخذه ربا ؛ ولذا جاء في الحديث المشهور عن عدي بن حاتم ( رضي الله عنه ) أنه لما جاء النبي صلى الله عليه وسلم وكان في عنق عدي صليب فقال له النبي : " يا عدي ألق هذا الوثن م
٢ تفسير ابن جرير (١٤/ ٢٤٤)..
٣ تقدمت عند تفسير الآية (١١٢) من سورة الأنعام..
٤ انظر: البحر المحيط (٥/ ٣٩)، الدر المصون (٦/ ٤٦)..
٥ انظر: السبعة ص ٣١٤..
٦ انظر: المحتسب (١/ ٢٨٨ - ٢٨٩)..
٧ انظر: الإتحاف (٢/ ٩١)..
٨ كما أخرج ذلك ابن جرير (١٤/ ٢٤٥) من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس رضي الله عنهما..
٩ أخرج ذلك ابن جرير (١٤/ ٢٤٨) عن مجاهد..
١٠ انظر: القرطبي (٨/ ١٣٨)..
١١ السابق..
١٢ أخرجه ابن جرير من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس (١٤/ ٢٤٥). وكره ابن هشام في السيرة ص ٥٦..
١٣ مضى عند تفسير الآية (٥) من سورة التوبة..
١٤ السابق..
١٥ أخرجه أبو عبيد في الناسخ والمنسوخ ص (٢٠٧)، والنحاس في الناسخ والمنسوخ (١/ ٥٣٥)، وابن جرير (٤/ ٣١٤)..
١٦ مضى عند تفسير الآية (٥) من هذه السورة..
١٧ مضى عند تفسير الآية (٥٧) من سورة الأنعام..
العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير
الشنقيطي - العذب النمير