ﮎﮏﮐﮑﮒﮓﮔﮕﮖﮗﮘﮙﮚﮛﮜﮝﮞﮟﮠﮡﮢﮣﮤ

وقوله تعالى : إلا الذين عهدتم من المشركين ثم لم ينقصوكم شيئا ولم يظهروا عليكم أحدا فأتموا إليهم عهدهم إلى مدتهم إن الله يحب المتقين [ التوبة : آية ٤ ].
قوله : إلا الذين استثناء من قوله : براءة من الله ورسوله إلى الذين عهدتم من المشركين ( ١ ) فسيحوا في الأرض أربعة أشهر [ التوبة : الآيتان ١، ٢ ] هذه البراءة والتأجيل بخصوص أربعة أشهر لجميع الكفار المعاهدين وغيرهم إلا الذين عهدتم [ التوبة : آية ٤ ] ثم وفوا لكم بالعهود ولم ينقصوكم شيئا، وكان بعض العلماء يقولون ١ : هؤلاء أهل مكة، ومعلوم أن أهل مكة نقضوا. والتحقيق أنها في قبائل من كنانة بقوا على عهدهم ولم ينكثوا فأمر النبي صلى الله عليه وسلم بأن يفي لهم بعهدهم حتى تنتهي مدتهم، ومعلوم أن صلح الحديبية قد عاهد النبي فيه قبائل من كنانة، ذكرنا أن منهم بني الديل بن بكر بن عبد مناة بن كنانة، وبني ضمرة، وبني مدلج، وبني جذيمة بن عامر، وقد قدمنا في تفسير سورة النساء في الكلام على قوله تعالى : فإن تولوا فخذوهم واقتلوهم حيث وجدتموهم ولا تتخذوا منهم وليا ولا نصيرا ( ٨٩ ) إلا الذين يصلون إلى قوم بينكم وبينهم ميثق [ النساء : الآيتان ٨٩، ٩٠ ] إن هؤلاء القوم الذين بينكم وبينهم ميثاق الذين شرطوا أن من وصل إليهم فحكمه كحكمهم، منهم هلال بن عويمر الأسلمي، وسراقة بن مالك بن جعشم حيث عقد العهد لبني مدلج مع النبي صلى الله عليه وسلم، وبنو جذيمة بن عامر بن عبد مناة بن كنانة، فهؤلاء القبائل كانت أربع قبائل من كنانة، وكان غيرهم عقد ذلك، كبني أسلم عقد لهم الصلح هلال بن عويمر الأسلمي، فهؤلاء لم ينقضوا.
وجرى على ألسنة علماء التفسير٢ أنه في هذه الآية الكريمة وهي قوله : إلا الذين عهدتم من المشركين ثم لم ينقصوكم شيئا ولم يظهروا عليكم أحدا فأتموا إليهم عهدهم إلى مدتهم [ التوبة : آية ٤ ] وفي الآية الآتية : إلا الذين عهدتم عند المسجد الحرام فما استقموا لكم فاستقيموا لهم [ التوبة : آية ٧ ] يقولون : هؤلاء الذين ثبتوا وأمر النبي أن يفي لهم بعهدهم حتى تنقضي مدتهم هم خصوص بني ضمرة من قبائل بكر بن عبد مناة بن كنانة، ومنهم عمرو بن أمية الضمري المشهور. والتحقيق أن قبائل كنانة لم يعرف أنه نقض منهم العهد إلا بنو الديل هم وقريش، أما قبائلهم الأخرى كبني جذيمة بن عامر وبني مدلج وبني ضمرة فلا يعلم أنهم نقضوا عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وإن جرى على ألسنة العلماء أنها في خصوص بني ضمرة دون غيرهم من قبائل كنانة، ومعنى الآية الكريمة : هذا الحكم الذي ذكرنا من نقض العهود وتأجيلهم أربعة أشهر فقط، كل هذا في جميع المعاهدين إلا الذين عهدتم من المشركين ثم لم ينقصوكم شيئا لم ينقصوكم من الشروط التي اشترطتم عليهم شيئا، ولم يخيسوا بشيء من عهدكم، ولم ينقصوكم مالا ولا نفسا ولا دما، بل ثبتوا على عهدهم ولم ينقضوا، ولم يظاهروا عليكم أحدا، ولم يعينوا عليكم أحدا كقريش الذين أعانوا بني الديل بن بكر على خزاعة فأتموا إليهم عهدهم ولا تعدوا عليهم حتى ينتهي عهدهم كاملا إلى مدتهم التي اتفقتم أنتم وهم عليها مدة الصلح والمهادنة بينكم حتى تنقضي.
قال بعض العلماء : كان وقت نزول هذه البراءة بقي من عهد هؤلاء تسعة أشهر فأمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يفي لهم بها ٣. وهذا معنى قوله : فأتموا إليهم عهدهم إلى مدتهم إن الله يحب المتقين [ التوبة : آية ٤ ] ومن المتقين الذين يوفون بعهدهم ولا ينقضونه، فدلت الآية على أن الوفاء بالعهود وعدم النكث والنقض أنه من تقوى الله ( جل وعلا ) وهو ككل.
وقد قدمنا في هذه الدروس مرارا ٤ أن المتقين جمع تصحيح للمتقي، وأن أصل هذه المادة من ( وقى )، ففاء هذه المادة واو، وعينها قاف، ولامها ياء. مادة التقوى فاؤها واو، وعينها قاف، ولامها ياء، فهي مما يسميه الصرفيون " اللفيف المفروق " هذا أصلها، إلا أنها دخلها تاء الافتعال كما تقول في قرب : اقترب، وفي كسب : اكتسب، وفي قطع : اقتطع، وفي " وقى " اوتقى.
والقاعدة المقررة في التصريف : أن كل فعل ( مثال ) – أعني معتل الفاء بالواو – إذا دخله تاء الافتعال وجب إبدال الواو تاء، وإدغام التاء في التاء، فقيل فيها : " اتقى ". هكذا ٥.
وأصل الاتقاء في لغة العرب ٦ : هو أن تتخذ وقاية تكون بينك وبين ما تكرهه فتقيك منه. تقول العرب : اتقيت الرمضاء بنعلي، واتقيت السيوف بمجني، ومنه قول نابغة ذبيان ٧ :

سقط النصيف ولم ترد إسقاطه فتناولته واتقتنا باليد
أي : جعلت يدها بيننا وبين وجهها. وتفسير من قال : اتقتنا : استقبلتنا. تفسير بالمعنى الإجمالي لا بالحقيقة. وهذا أصله معنى التقوى.
وهي في اصطلاح الشرع : أن يجعل العبد وقاية بينه وبين عذاب ربه، هذه الوقاية مركبة من شيئين هما : امتثال أمر الله، واجتناب نهي الله ٨، والوفاء بالعهود من ذلك ؛ لأن الوفاء بالعهود امتثال لأمر الله، وترك النقض انتهاء عما نهى الله عنه. وهذا معنى قوله : إن الله يحب المتقين [ التوبة : آية ٤ ].
١ انظر: ابن جرير (١٤/ ١٣٣)..
٢ انظر: القرطبي (٨/ ٧١)..
٣ انظر: البحر المحيط (٥/ ٨)..
٤ مضى عند تفسير الآية (٧٨) من سورة البقرة..
٥ السابق..
٦ السابق..
٧ السابق..
٨ مضى عند تفسير الآية (٤٨) من سورة البقرة..

العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير

عرض الكتاب
المؤلف

الشنقيطي - العذب النمير

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير