ثم عاتب رسوله صلى الله عليه وسلم لشدة قربه، وعظيم منزلته، وتلطف له على إذنه للمنافقين في التخلف، فقال :
عَفَا اللَّهُ عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُواْ وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ * لاَ يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ أَن يُجَاهِدُواْ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ * إِنَّمَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَارْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ
يقول الحق جل جلاله : لنبيه عليه الصلاة والسلام ؛ ملاطفاً له في الكلام : عفا اللَّه عنك لم أذنتَ لهم ، لِمَ بادرت إلى الإذن إلى المنافقين في التخلف، واستكفيت بالإذن العام في قولنا : فَأذَن لِّمن شئتَ مَنهُم [ النور : ٦٢ ]، فإن الخواص من المقربين لا يكتفون بالإذن العام، بل يتوقفون إلى الإذن الخاص. ولذلك عُوتِبَ يونس عليه السلام. والمعنى : لأي شيء أذنت لهم في القعود حين استأذنوك واعتذروا لك بأكاذيب ؟ وهلا توقفت حتى يتبين لك الذين صدقوا في الاعتذار، وتعلم الكاذبين فيه.
قال ابن عطية : قوله : الذين صدقوا يريد : في استئذانك، وأَنك لو لم تأذن لهم لخرجوا معك، وقوله : وتعلم الكاذبين يريد : أنهم استأذنوك يظهرون لك أنهم يقفون عند حدِّك، وهم كَذَبة، قد عزموا على العصيان، أذِنتَ أو لم تأذن. ه. قال ابن جزي : كانوا قد قالوا : استأذنوه في القعود، فإن إذن لنا قعدنا، وإن لم يأذن قعدنا، وإنما كان يظهر الصادق من الكاذب لو لم يأذن لهم، فحينئذٍ كان يقعد العاصي والمنافق، ويسافر المطيع الصادق. ه.
وأما الإذن في التجريد وعدمه : فإن رآه أهلاً له ؛ لنفوذ عزمه، فيجب عليه أن يأمره به، وإن رآه لا يليق به ؛ لعوارض قامت به ؛ منعه منه، حتى ينظر ما يفعل الله به، وسأل رجلٌ القطبَ ابنَ مشيش، فقال له : يا سيدي ؛ استأذنك في مجاهدة نفسي ؟ فقال له : لا يستأذنك الذين يؤمنون بالله واليوم الآخر أن يجاهدوا بأموالهم وأنفسهم والله عليم بالمتقين إنما يستئذنك الذين لا يؤمنون بالله واليوم الآخر وارتابت قلوبهم فهم في ريبهم يترددون .
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي