ويقول الحق بعد ذلك :
عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ ( ٤٣ ) :
وكلمة عفا تدل على أن هناك أثرا قد مُحي، تماما كما يمشي إنسان في الرمال، فتُحدث أقدامه أثرا، ثم تأتي الريح فتملأ مناطق هذا الأثر بالرمال وتزيله. وهي تُطلق في الدين على محو الله سبحانه وتعالى لذنوب عباده فلا يعاقبهم عليها. وما دام الإنسان قد استغفر من ذنبه وقال : أستغفر الله الذي لا إله إلا هو الحي القيوم وأتوب إليه١، فلا يجب أن يحرجه أحد بعد ذلك، ولا أن يعايره أحد، فقد استغفر عند من يملك الملك كله، وهو وحده سبحانه الذي يملك العفو والمغفرة٢، فلا يُدخلنّ أحدكم نفسه في هذه المسألة، ولا يجب أن يحرج إنسان مذنبا مادام قد استغفر مَنْ يملك العفو، ومن يسمع مستغفرا عليه يقول : عفا الله عنك. ولا أحد يعرف إن كان الله قد عفا عنه أم لا، فَلْتُعِنْهُ بالدعاء له، ومن يعاير مذنبا نقول له : تأدب، لأنه لم يرتكب الذنب عندك، ولكنه ارتكبه عند ربه، وإذا كان من يستغفر من ذنبه لا يُحرج به بين الناس، فما بالنا بعفو الله سبحانه القادر وحده على العفو.
وهنا يقدم الحق سبحانه العفو عن رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي أذن لهم بالقعود عن القتال، ثم يأتي القرآن بعد ذلك ليؤكد أن ما فعله رسول الله بالإذن لهم بالقعود كان صوابا، فيقول في موضع آخر من نفس السورة :
لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلاَّ خَبَالاً ( التوبة : ٤٧ ).
إذن : فلو أنهم خرجوا لكانوا سببا في الهزيمة، لا من أسباب النصر. وصوَّبَ الحق عمل الرسول، وهو صلى الله عليه وسلم له العصمة.
وهنا نحن أمام عفو من عفو الله، على الرغم من عدم وجود ذنب يُعفى عنه، وهنا أيضا إذن من الرسول لهم بالقعود، ونزل القرآن ليؤكد صوابه.
وهناك من فهم قول الحق : لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ على أنها استفهام استنكاري، وكأن الحق يقول : كيف أَذِنْتَ لهم بالعفو ؟.
إذن : فرسول الله بين أمرين : بين عفو لا يُذكر بعده ذنب، واستفهام يفيد عند البعض الإنكار.
ونقول : إن الحق سبحانه وتعالى أيَّد رسوله صلى الله عليه وسلم بقوله :
لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلاَّ خَبَالاً ( التوبة : ٤٧ )، فكأن الرسول قد هُدي إلى الأمر بفطرته الإيمانية، وقد أشار القرآن إلى ذلك، ليوضح لنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم معصوم وفطرته سليمة، وكان عليه أن يقدم البيان العقلي للناس، لأنه الأسوة حتى لا يأتي من بعده واحد من عامة الناس ليفتي في مسألة دينية ويقول : أنا رأيت بفطرتي كذا، بل لابد أن يتبين الإنسان ما جاء في القرآن الكريم والسنة قبل أن يفتي في أمر من أمور الدين.
وعلى سبيل المثال : اختلف الأمر بين المسلمين في مسألة الفداء لأسرى بدر٣ ونزل القول الحق : لَوْلاَ كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ( ٦٨ ) ( الأنفال )وأيَّد الله حكم رسوله وأبقاه. إذن فرسول الله صلى الله عليه وسلم هُدي إلى الأمر بفطرته الإيمانية، ولكن هذا الحق لا يباح لغير معصوم.
وقد أباح الله سبحانه الاستئذان في قوله :
فَإِذَا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ ( النور : ٦٢ ).
والحق سبحانه وتعالى يقول هنا في الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها : عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ وهكذا يتبين لنا أن الرسول صلى الله عليه وسلم قد أذن لهم بالمقدمات والبحث والفطرة، ورأى أن الإذن لهؤلاء المتخلفين هو أمر يوافق مراد الحق سبحانه ؛ لأنهم لو خرجوا مع جيش المسلمين ما زادوهم إلا خبالا٤، لعدم توافر النية الصادقة في الجهاد ؛ لذلك ثبطهم٥ الله، وأضعف عزيمتهم حتى لا يخرجوا. والعفو هنا جاء في شكلية الموضوع، حيث كان يجب التبيُّن قبل الإذن، فيقول الحق سبحانه :
حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ أي : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لو لم يأذن لهم لكانوا قد انكشفوا، ولكن إذنه لهم أعطاهم ستارا يسترون به نفاقهم، فهم قد عقدوا النية على ألا يخرجوا، ولو فعلوا ذلك لافتُضِحَ أمرهم للمسلمين جميعا، فشاء رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يسترهم٦.
٢ فهذا شأن الرب الغفور القائل سبحانه ومَن يغفر الذنوب إلا الله (آل عمران: ١٣٥)، أما شأن الناس فقد قال الله عنهم قُلْ لَوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزَائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي إِذًا لَأَمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الْإِنْفَاقِ وَكَانَ الْإِنْسَانُ قَتُورًا (١٠٠) (الإسراء: ١٠٠)، فهم بالإضافة لتصيدهم لأخطاء الناس، لو كانت الرحمة بأيديهم وكلفوا إعطاء الناس منها لبخلوا بها..
٣ أخرجه مسلم في صحيحه (١٧٦٣) وأحمد في مسنده (١/٣١-٣٠) من حديث عمر بن الخطاب من حديث طويل أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لأبي بكر وعمر: "ما ترون في هؤلاء الأسارى؟". فقال أبو بكر: يا نبي الله، هم بنو العم والعشيرة، أرى أن تأخذ منهم فدية، فتكون لنا قوة على الكفار، فعسى الله أن يهديهم للإسلام. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما ترى يا ابن الخطاب؟ فقال:.. أرى أن تمكنا فنضرب أعناقهم.. فإن هؤلاء أئمة الكفر وصناديدها" وقد أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم برأي أبي بكر وأخذوا الفداء، ولكن نزل وحي الله مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الأرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الآخِرَةَ (الأنفال: ٦٧).
٤ الخبال: الفساد والنميمة وإيقاع الاختلاف والأراجيف (الأكاذيب)..
٥ التثبيط: التخذيل وإضعاف العزيمة على الخروج..
٦ قال قتادة وعمر بن ميمون: ثنتان فعلهما النبي صلى الله عليه وسلم لم يؤمر بهما: إذنه لطائفة من المنافقين في التخلف عنه، ولم يكن له أن يمضي شيئا بوحي، وأخذه من الأسارى الفدية، فعاتبه الله..
تفسير الشعراوي
الشعراوي