( ١ ) يلمزك : يطعن فيك أو يعيب عليك. ومعنى الكلمة هنا : ينسب إليك المحاباة.
( ٢ ) الصدقات : هنا كناية عن الزكاة.
وَمِنْهُم مَّن يَلْمِزُكَ ( ١ ) فِي الصَّدَقَاتِ ( ٢ ) فَإِنْ أُعْطُواْ مِنْهَا رَضُواْ وَإِن لَّمْ يُعْطَوْاْ مِنهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ ( ٥٨ ) وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوْاْ مَا آتَاهُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَقَالُواْ حَسْبُنَا اللّهُ سَيُؤْتِينَا اللّهُ مِن فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ إِنَّا إِلَى اللّهِ رَاغِبُونَ ( ٥٩ ) إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاء وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا ( ٣ ) وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ ( ٤ ) وَفِي الرِّقَابِ ( ٥ ) وَالْغَارِمِينَ ( ٦ ) وَفِي سَبِيلِ اللّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِّنَ اللّهِ وَاللّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ( ٦٠ ) ( ٥٨ – ٦٠ ).
في الآيات :
( ١ ) إشارة إلى صورة أخرى من صور المنافقين ومواقفهم : فإن منهم من كان ينسب إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم المحاباة في توزيع الصدقات ويعيب عليه ذلك. وكان هذا منهم لمنافعهم الخاصة ومآربهم الشخصية حيث كانوا يسخطون إذا لم يعطهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم منها ويرضون إذا أعطاهم.
( ٢ ) وتنديد بهم فقد كان الأولى بهم أن يرضوا بما آتاهم الله ورسوله وأن يعلنوا ثقتهم واكتفاءهم بفضل الله ورسوله ورغبتهم بما عند الله.
( ٣ ) وتقرير لأصناف المصارف التي لا يجوز أن تصرف الصدقات إلى غيرها لتعطى لمن لا يستحقها وهي الفقراء والمساكين والموظفون القائمون بأمرها والمؤلفة قلوبهم وعتق العبيد والغارمون وفي سبيل الله وابن السبيل حيث كان هذا فرض الله الواجب الوقوف عنده وهو العليم بمقتضيات الأمور الحكيم الذي لا يأمر إلا بما فيه الحكمة.
تعليق على الآية :
وَمِنْهُم مَّن يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ.........................
والآيتين التاليتين لها وما فيها من صور وتلقين.
وما روي في صددها من روايات، وما روي من أحاديث
وأقوال ومذاهب متنوعة في مصارف الزكاة وتوزيعها
ونصاب الزكاة في مختلف الأنواع وجبايتها
ولقد روى البخاري حديثا عن أبي سعيد في سياق هذه الآية قال :( إن النبي صلى الله عليه وآله وسلم بعث إليه بشيء فقسمه بين أربعة وقال : أتألفهم فقال رجل : ما عدلت. فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم : يخرج من ضئضئ هذا قوم يمرقون من الدين ) ( ١ )(١). وروى الطبري هذا الحديث بزيادة كبيرة عن أبي سعيد قال :( إن رسول الله كان يقسم إذا جاءه ذو الخويصرة التميمي فقال : اعدل يا رسول الله. فقال : ويلك ومن يعدل إن لم أعدل. فقال عمر بن الخطاب : ائذن لي فأضرب عنقه، فقال : دعه فإن له أصحابا يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم وصيامه مع صيامهم يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية، فينظر في قدحه فلا ينظر شيئا، ثم ينظر في نصله فلا يجد شيئا، ثم ينظر في رصافه فلا يجد شيئا قد سبق الفرث الدم، آيتهم رجل أسود إحدى يديه مثل ثدي المرأة أو مثل البضعة. يخرجون على حين فترة من الناس. قال أبو سعيد : أشهد أني سمعت هذا من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأشهد أن عليا حين قتلهم – يعني الخوارج – جيء بالرجل على النعت الذي نعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ) ( ١ )(٢). وروى الطبري أيضا أن رجلا من أهل البادية حديث عهد بالإسلام أتى نبي الله صلى الله عليه وآله وسلم وهو يقسم ذهبا وفضة فقال : يا محمد والله لئن كان الله أمرك أن تعدل ما عدلت. فقال له : ويلك فمن ذا يعدل ؟ ثم قال : احذروا هذا وأشباهه. فإن من أمتي أشباه هذا، يقرءون القرآن لا يجاوز تراقيهم فإذا خرجوا فاقتلوهم ثم إذا خرجوا فاقتلوهم ثم إذا خرجوا فاقتلوهم. وكان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يقول : والذي نفسي بيده ما أعطيكم شيئا ولا أمنعكموه إنما أنا خازن. وروي أيضا أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أتى بصدقة فقسمها ها هنا وها هنا حتى ذهبت، ورآه رجل من الأنصار فقال : ما هذا بالعدل فنزلت الآية. وننبه على أن الطبري لم يذكر أن الآية نزلت إلا في مناسبة الرواية الأخيرة دون الروايتين السابقتين وكذلك البخاري فإنه لم يذكر في حديثه أن الرواية التي تضمنها الحديث كانت سبب نزول الآية ( ٢ )(٣).
وذو الخويصرة هو حرقوص بن زهير الذي يذكر شراح الأحاديث أنه المعني في الحديث الأول كان على رأس الجماعات التي خرجت من البصرة إلى المدينة واشتركت في الفتنة التي أدت إلى قتل عثمان رضي الله عنه. وبايع عليا رضي الله عنه وكان في جيشه مع قومه، وحارب معه في وقعة الجمل التي كانت بينه وبين الجموع التي تجمعت حول عائشة والزبير وطلحة رضي عنهم للمطالبة بدم عثمان والثأر من قاتليه ثم في وقعة صفين بين علي ومعاوية رضي الله عنهما. ثم كان من الذين خرجوا على علي لقبوله التحكيم وقتل من قتل في وقعة النهروان التي كانت بين علي وأتباعه وبين الخوارج ( ١ )(٤). ولقد روى الطبري أن علي بن أبي طالب قال لأتباعه حين انتهت وقعة النهروان : إنه سمع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول : إن قوما يخرجون من الإسلام يمرقون من الدين كان يمرق السهم من الرمية علامتهم رجل مخدج اليد، وأمر أتباعه أن يلتمسوه بين القتلى وأن يقطعوا يده ويأتوه بها إذا وجدوه. وقد وجدوا فعلا رجلا مخدج اليد بين القتلى فقطعوا يده وأتوه بها فلما رآها قال : ما كذبت ولا كذبت ( ٢ )(٥).
والمشهور أن الخوارج كانوا من أشد المسلمين تعبدا بالصلاة والصيام وقراءة القرآن وتقشفا في الحياة ؛ حيث ينطبق كل ذلك على الوصف الذي احتوته الأحاديث. وإذا صح حديث علي الذي يرويه الطبري فيكون فيه، وعلى ضوء الأحاديث الأخرى فيكون فيها معجزة نبوية بإخبار النبي صلى الله عليه وآله وسلم بغيب وقع بعد موته. هذا مع التنبيه إلى أن قولنا يصح إذا كانت الوقائع المماثلة أكثر من واحدة ؛ لأن الأشخاص المحكية عنهم متنوعون كما هو واضح من الأحاديث ومع التنبيه كذلك إلى أن روح الآية الثانية قد تلهم أن الذي صدر منه القول أو أحد من صدر منهم القول – إذا كانت الوقائع متعددة – من منافقي المدينة. وهذا ما ينطبق على الرواية الأخيرة. والله أعلم.
ومهما يكن من أمر فالذي يتبادر لنا من عطف الآيات على سابقتها. ومن ضمير الجمع الغائب الذي يعبر عن فريق كان موضوع الحديث في الآيات السابقة أن الآيات لم تنزل لمناسبة من المناسبات المروية لحدتها وأنها ليست منفصلة عن السياق. وكل ما في الأمر أنها احتوت إشارة إلى موقف كان وقفه بعض المنافقين من نوع ما ذكرته الأحاديث في معرض التذكير بأقوال ومواقف المنافقين وتقريعهم والتنديد بهم بمناسبة تثاقلهم عن غزوة تبوك.
والموقف الذي حكته الآية الأولى يدل على ما كان من جرأة المنافقين على الطعن في ذمة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وعدله والتهويش عليه في سبيل منافعهم الخاصة. ويدل على ما كانوا عليه من خبث طوية وفراغ إيمان وقلة ثقة بالله ورسوله. ثم على ما كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يلقاه من هذه الفئة الخبيثة. والذي نرجحه أن ذلك الموقف مما كان يبدر منهم حينما كانوا أكثر قوة أو حينما كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمون أقل قوة واستعلاء مما صاروا إليه حين نزول الآيات. وقد أشير إليه هنا على سبيل التذكير والتنديد كما قلنا.
والموقف المحكي هي في الآية الأولى فقط. أما الآيتان الأخريان فقد جاءتا على سبيل التعقيب والاستطراد حيث احتوت الثانية تنديدا بالمنافقين وتنبيها إلى ما كان الأولى بهم لو كانوا مخلصين حقا، وحيث احتوت الثالثة تحديدا للمصارف التي لا يجوز أن تعطى الصدقات لغيرها.
ومع أن الآية الثالثة قد جاءت مع الآية الثانية كما قلنا على سبيل التعقيب والاستطراد فإنها هي الوحيدة التي وردت في القرآن عن أصناف مستحقي الصدقات جميعها وكانت من أجل ذلك هي المستند التشريعي في هذا الأمر.
والمجمع عليه أن الصدقات المقصودة في الآية هي الزكاة المفروضة خاصة. ولعل ورود جملة : فريضة من الله في الآية قرينة على ذلك. هذا مع القول : إن هذه الجملة قد تكون في نفس الوقت بسبيل التشديد على واجب إبقاء الزكاة في نطاق مصارفها المعينة.
والمفروض في الآية الثالثة هو مصارف الزكاة وليست الزكاة ؛ لأن فريضة الزكاة قد فرضت كما استلهمنا من آيات مكية منذ أواسط العهد المكي أو قبل ذلك. وقد استلهمنا من آيات مكية أخرى أن مقاديرها أيضا كانت معينة في العهد المكي على ما نبهنا عليه في سياق سور الأنعام والذاريات والمعارج والمزمل.
وبناء على ذلك نعتقد أن القول بأن في الآية فرضا للزكاة هو تحميل لها غير ما تحمله نصا وروحا. وغير متسق مع الأوامر القرآنية العديدة المكية ثم المدنية التي نزلت قبل هذه الآية بمدة غير قصيرة بوجوب إيتاء الزكاة وقرنها بالصلاة واعتبارهما الركنين المتلازمين اللذين لا بد منهما لصحة دعوى الإسلام.
ولقد قال بعضهم : إن هذه الآية نسخت ما جاء في القرآن من أوامر الصدقة حيث قامت فريضة الزكاة مقام ذلك. وهذا القول منبثق من اعتبار الآية فرضا للزكاة. قد نبهنا على ما في هذا الاعتبار من تجوز قبل قليل. وهذا فضلا عن أن روح الآيات القرآنية الكثيرة المكية والمدنية تلهم بكل قوة أنها أوسع من أن تحصر الصدقة بالقدر المحدود المستوجب بالزكاة المفروضة. فمهما كثر مقدار هذه الزكاة فإن مجال الإنفاق في سبيل الله في معناها الشامل وفي وجوه البر ومساعدة المحتاجين يظل أوسع من أن يملأ ذلك القدر المحدود، وتظل حكمة التنزيل مستمرة المفعول بالنسبة للصدقات التطوعية. وفي الآية ( ١٠٣ ) من هذه السورة التي نزلت بعد الآيات التي نحن في صددها دلالة قوية على ذلك ؛ حيث تأمر النبي صلى الله عليه وآله وسلم بأخذ صدقة من أموال الذين يخلطون عملا صالحا وآخر سيئا ليزكيهم ويطهرهم بها. والمتبادر أن هذه الصدقة هي غير الزكاة المفروضة. وهناك حديث عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم فيه دليل على ذلك رواه الترمذي عن فاطمة بنت قيس قالت :( سألت النبي صلى الله عليه وآله وسلم أو سئل النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن الزكاة فقال : إن في المال لحقا سوى الزكاة. ثم تلا : ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب إلى آخر آية سورة البقرة ( ١٧٧ ) ( ١ )(٦). وفيها أمر بإيتاء المال بالإضافة إلى ذكر الزكاة..... وفي الآية الأخيرة من سورة المزمل جملة لها مغزى عظيم في هذا الباب وهي : وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة وأقرضوا الله قرضا حسنا وما تقدموا لأنفسكم من خير تجدوه عند الله هو خير وأعظم أجر......... .
وكل هذا يسوغ القول : إن الزكاة المفروضة المحددة المقدار بالسنة النبوية هي الحد الأدنى لما يجب على صاحب المال أن يؤديه تطهيرا لماله.
والزكاة واجبة على جميع الأموال التي تبلغ النصاب الأدنى المعين بالسنة النبوية. وتشمل الغلات الزراعية شجرا أو حبا والماشية والنقود والعروض التجارية المتنوعة الأخرى كما هو المجمع عليه أيضا. والقرآن لم يعين إلا مصارفها. أما المقادير الواجبة فقد عينتها السنة النبوية. وإذا لاحظنا أن الآية الثالثة إنما جاءت على سبيل الاستطراد والتعقيب والرد على اللامزين ظهرت لنا حكمة عدم ذكر المقادير فيها. ويصح أن يقال : إن هذا الأمر ترك للنبي صلى الله عليه وآله وسلم يتصرف فيه بإلهام الله وفقا لما تمليه الظروف و
وَمِنْهُم مَّن يَلْمِزُكَ ( ١ ) فِي الصَّدَقَاتِ ( ٢ ) فَإِنْ أُعْطُواْ مِنْهَا رَضُواْ وَإِن لَّمْ يُعْطَوْاْ مِنهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ ( ٥٨ ) وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوْاْ مَا آتَاهُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَقَالُواْ حَسْبُنَا اللّهُ سَيُؤْتِينَا اللّهُ مِن فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ إِنَّا إِلَى اللّهِ رَاغِبُونَ ( ٥٩ ) إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاء وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا ( ٣ ) وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ ( ٤ ) وَفِي الرِّقَابِ ( ٥ ) وَالْغَارِمِينَ ( ٦ ) وَفِي سَبِيلِ اللّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِّنَ اللّهِ وَاللّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ( ٦٠ ) ( ٥٨ – ٦٠ ).
في الآيات :
( ١ ) إشارة إلى صورة أخرى من صور المنافقين ومواقفهم : فإن منهم من كان ينسب إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم المحاباة في توزيع الصدقات ويعيب عليه ذلك. وكان هذا منهم لمنافعهم الخاصة ومآربهم الشخصية حيث كانوا يسخطون إذا لم يعطهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم منها ويرضون إذا أعطاهم.
( ٢ ) وتنديد بهم فقد كان الأولى بهم أن يرضوا بما آتاهم الله ورسوله وأن يعلنوا ثقتهم واكتفاءهم بفضل الله ورسوله ورغبتهم بما عند الله.
( ٣ ) وتقرير لأصناف المصارف التي لا يجوز أن تصرف الصدقات إلى غيرها لتعطى لمن لا يستحقها وهي الفقراء والمساكين والموظفون القائمون بأمرها والمؤلفة قلوبهم وعتق العبيد والغارمون وفي سبيل الله وابن السبيل حيث كان هذا فرض الله الواجب الوقوف عنده وهو العليم بمقتضيات الأمور الحكيم الذي لا يأمر إلا بما فيه الحكمة.
تعليق على الآية :
وَمِنْهُم مَّن يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ.........................
والآيتين التاليتين لها وما فيها من صور وتلقين.
وما روي في صددها من روايات، وما روي من أحاديث
وأقوال ومذاهب متنوعة في مصارف الزكاة وتوزيعها
ونصاب الزكاة في مختلف الأنواع وجبايتها
ولقد روى البخاري حديثا عن أبي سعيد في سياق هذه الآية قال :( إن النبي صلى الله عليه وآله وسلم بعث إليه بشيء فقسمه بين أربعة وقال : أتألفهم فقال رجل : ما عدلت. فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم : يخرج من ضئضئ هذا قوم يمرقون من الدين ) ( ١ )(١). وروى الطبري هذا الحديث بزيادة كبيرة عن أبي سعيد قال :( إن رسول الله كان يقسم إذا جاءه ذو الخويصرة التميمي فقال : اعدل يا رسول الله. فقال : ويلك ومن يعدل إن لم أعدل. فقال عمر بن الخطاب : ائذن لي فأضرب عنقه، فقال : دعه فإن له أصحابا يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم وصيامه مع صيامهم يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية، فينظر في قدحه فلا ينظر شيئا، ثم ينظر في نصله فلا يجد شيئا، ثم ينظر في رصافه فلا يجد شيئا قد سبق الفرث الدم، آيتهم رجل أسود إحدى يديه مثل ثدي المرأة أو مثل البضعة. يخرجون على حين فترة من الناس. قال أبو سعيد : أشهد أني سمعت هذا من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأشهد أن عليا حين قتلهم – يعني الخوارج – جيء بالرجل على النعت الذي نعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ) ( ١ )(٢). وروى الطبري أيضا أن رجلا من أهل البادية حديث عهد بالإسلام أتى نبي الله صلى الله عليه وآله وسلم وهو يقسم ذهبا وفضة فقال : يا محمد والله لئن كان الله أمرك أن تعدل ما عدلت. فقال له : ويلك فمن ذا يعدل ؟ ثم قال : احذروا هذا وأشباهه. فإن من أمتي أشباه هذا، يقرءون القرآن لا يجاوز تراقيهم فإذا خرجوا فاقتلوهم ثم إذا خرجوا فاقتلوهم ثم إذا خرجوا فاقتلوهم. وكان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يقول : والذي نفسي بيده ما أعطيكم شيئا ولا أمنعكموه إنما أنا خازن. وروي أيضا أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أتى بصدقة فقسمها ها هنا وها هنا حتى ذهبت، ورآه رجل من الأنصار فقال : ما هذا بالعدل فنزلت الآية. وننبه على أن الطبري لم يذكر أن الآية نزلت إلا في مناسبة الرواية الأخيرة دون الروايتين السابقتين وكذلك البخاري فإنه لم يذكر في حديثه أن الرواية التي تضمنها الحديث كانت سبب نزول الآية ( ٢ )(٣).
وذو الخويصرة هو حرقوص بن زهير الذي يذكر شراح الأحاديث أنه المعني في الحديث الأول كان على رأس الجماعات التي خرجت من البصرة إلى المدينة واشتركت في الفتنة التي أدت إلى قتل عثمان رضي الله عنه. وبايع عليا رضي الله عنه وكان في جيشه مع قومه، وحارب معه في وقعة الجمل التي كانت بينه وبين الجموع التي تجمعت حول عائشة والزبير وطلحة رضي عنهم للمطالبة بدم عثمان والثأر من قاتليه ثم في وقعة صفين بين علي ومعاوية رضي الله عنهما. ثم كان من الذين خرجوا على علي لقبوله التحكيم وقتل من قتل في وقعة النهروان التي كانت بين علي وأتباعه وبين الخوارج ( ١ )(٤). ولقد روى الطبري أن علي بن أبي طالب قال لأتباعه حين انتهت وقعة النهروان : إنه سمع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول : إن قوما يخرجون من الإسلام يمرقون من الدين كان يمرق السهم من الرمية علامتهم رجل مخدج اليد، وأمر أتباعه أن يلتمسوه بين القتلى وأن يقطعوا يده ويأتوه بها إذا وجدوه. وقد وجدوا فعلا رجلا مخدج اليد بين القتلى فقطعوا يده وأتوه بها فلما رآها قال : ما كذبت ولا كذبت ( ٢ )(٥).
والمشهور أن الخوارج كانوا من أشد المسلمين تعبدا بالصلاة والصيام وقراءة القرآن وتقشفا في الحياة ؛ حيث ينطبق كل ذلك على الوصف الذي احتوته الأحاديث. وإذا صح حديث علي الذي يرويه الطبري فيكون فيه، وعلى ضوء الأحاديث الأخرى فيكون فيها معجزة نبوية بإخبار النبي صلى الله عليه وآله وسلم بغيب وقع بعد موته. هذا مع التنبيه إلى أن قولنا يصح إذا كانت الوقائع المماثلة أكثر من واحدة ؛ لأن الأشخاص المحكية عنهم متنوعون كما هو واضح من الأحاديث ومع التنبيه كذلك إلى أن روح الآية الثانية قد تلهم أن الذي صدر منه القول أو أحد من صدر منهم القول – إذا كانت الوقائع متعددة – من منافقي المدينة. وهذا ما ينطبق على الرواية الأخيرة. والله أعلم.
ومهما يكن من أمر فالذي يتبادر لنا من عطف الآيات على سابقتها. ومن ضمير الجمع الغائب الذي يعبر عن فريق كان موضوع الحديث في الآيات السابقة أن الآيات لم تنزل لمناسبة من المناسبات المروية لحدتها وأنها ليست منفصلة عن السياق. وكل ما في الأمر أنها احتوت إشارة إلى موقف كان وقفه بعض المنافقين من نوع ما ذكرته الأحاديث في معرض التذكير بأقوال ومواقف المنافقين وتقريعهم والتنديد بهم بمناسبة تثاقلهم عن غزوة تبوك.
والموقف الذي حكته الآية الأولى يدل على ما كان من جرأة المنافقين على الطعن في ذمة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وعدله والتهويش عليه في سبيل منافعهم الخاصة. ويدل على ما كانوا عليه من خبث طوية وفراغ إيمان وقلة ثقة بالله ورسوله. ثم على ما كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يلقاه من هذه الفئة الخبيثة. والذي نرجحه أن ذلك الموقف مما كان يبدر منهم حينما كانوا أكثر قوة أو حينما كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمون أقل قوة واستعلاء مما صاروا إليه حين نزول الآيات. وقد أشير إليه هنا على سبيل التذكير والتنديد كما قلنا.
والموقف المحكي هي في الآية الأولى فقط. أما الآيتان الأخريان فقد جاءتا على سبيل التعقيب والاستطراد حيث احتوت الثانية تنديدا بالمنافقين وتنبيها إلى ما كان الأولى بهم لو كانوا مخلصين حقا، وحيث احتوت الثالثة تحديدا للمصارف التي لا يجوز أن تعطى الصدقات لغيرها.
ومع أن الآية الثالثة قد جاءت مع الآية الثانية كما قلنا على سبيل التعقيب والاستطراد فإنها هي الوحيدة التي وردت في القرآن عن أصناف مستحقي الصدقات جميعها وكانت من أجل ذلك هي المستند التشريعي في هذا الأمر.
والمجمع عليه أن الصدقات المقصودة في الآية هي الزكاة المفروضة خاصة. ولعل ورود جملة : فريضة من الله في الآية قرينة على ذلك. هذا مع القول : إن هذه الجملة قد تكون في نفس الوقت بسبيل التشديد على واجب إبقاء الزكاة في نطاق مصارفها المعينة.
والمفروض في الآية الثالثة هو مصارف الزكاة وليست الزكاة ؛ لأن فريضة الزكاة قد فرضت كما استلهمنا من آيات مكية منذ أواسط العهد المكي أو قبل ذلك. وقد استلهمنا من آيات مكية أخرى أن مقاديرها أيضا كانت معينة في العهد المكي على ما نبهنا عليه في سياق سور الأنعام والذاريات والمعارج والمزمل.
وبناء على ذلك نعتقد أن القول بأن في الآية فرضا للزكاة هو تحميل لها غير ما تحمله نصا وروحا. وغير متسق مع الأوامر القرآنية العديدة المكية ثم المدنية التي نزلت قبل هذه الآية بمدة غير قصيرة بوجوب إيتاء الزكاة وقرنها بالصلاة واعتبارهما الركنين المتلازمين اللذين لا بد منهما لصحة دعوى الإسلام.
ولقد قال بعضهم : إن هذه الآية نسخت ما جاء في القرآن من أوامر الصدقة حيث قامت فريضة الزكاة مقام ذلك. وهذا القول منبثق من اعتبار الآية فرضا للزكاة. قد نبهنا على ما في هذا الاعتبار من تجوز قبل قليل. وهذا فضلا عن أن روح الآيات القرآنية الكثيرة المكية والمدنية تلهم بكل قوة أنها أوسع من أن تحصر الصدقة بالقدر المحدود المستوجب بالزكاة المفروضة. فمهما كثر مقدار هذه الزكاة فإن مجال الإنفاق في سبيل الله في معناها الشامل وفي وجوه البر ومساعدة المحتاجين يظل أوسع من أن يملأ ذلك القدر المحدود، وتظل حكمة التنزيل مستمرة المفعول بالنسبة للصدقات التطوعية. وفي الآية ( ١٠٣ ) من هذه السورة التي نزلت بعد الآيات التي نحن في صددها دلالة قوية على ذلك ؛ حيث تأمر النبي صلى الله عليه وآله وسلم بأخذ صدقة من أموال الذين يخلطون عملا صالحا وآخر سيئا ليزكيهم ويطهرهم بها. والمتبادر أن هذه الصدقة هي غير الزكاة المفروضة. وهناك حديث عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم فيه دليل على ذلك رواه الترمذي عن فاطمة بنت قيس قالت :( سألت النبي صلى الله عليه وآله وسلم أو سئل النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن الزكاة فقال : إن في المال لحقا سوى الزكاة. ثم تلا : ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب إلى آخر آية سورة البقرة ( ١٧٧ ) ( ١ )(٦). وفيها أمر بإيتاء المال بالإضافة إلى ذكر الزكاة..... وفي الآية الأخيرة من سورة المزمل جملة لها مغزى عظيم في هذا الباب وهي : وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة وأقرضوا الله قرضا حسنا وما تقدموا لأنفسكم من خير تجدوه عند الله هو خير وأعظم أجر......... .
وكل هذا يسوغ القول : إن الزكاة المفروضة المحددة المقدار بالسنة النبوية هي الحد الأدنى لما يجب على صاحب المال أن يؤديه تطهيرا لماله.
والزكاة واجبة على جميع الأموال التي تبلغ النصاب الأدنى المعين بالسنة النبوية. وتشمل الغلات الزراعية شجرا أو حبا والماشية والنقود والعروض التجارية المتنوعة الأخرى كما هو المجمع عليه أيضا. والقرآن لم يعين إلا مصارفها. أما المقادير الواجبة فقد عينتها السنة النبوية. وإذا لاحظنا أن الآية الثالثة إنما جاءت على سبيل الاستطراد والتعقيب والرد على اللامزين ظهرت لنا حكمة عدم ذكر المقادير فيها. ويصح أن يقال : إن هذا الأمر ترك للنبي صلى الله عليه وآله وسلم يتصرف فيه بإلهام الله وفقا لما تمليه الظروف و
التفسير الحديث
دروزة