وفي الصدقة يحاولون التشكيك في توزيع الصدقة وكيف يتم ؛ فيقول الحق سبحانه وتعالى عنهم : ومنهم من يلمزك في الصدقات فإن أعطوا منها رضوا وإن لم يعطوا منها إذا هم يسخطون( ٥٨ ) .
وإذا جلسوا مع بعضهم تجدهم يحاولون النيل من رسول الله صلى الله عليه وسلم بغرض إيذائه ولمزه، ويقول سبحانه وتعالى عنهم.
ومنهم الذين يؤذون النبي ويقولون هو أذن قل أذن خير لكم يؤمن بالله ويؤمن للمؤمنين ورحمة للذين آمنوا منكم والذين يؤذون رسول الله لهم عذاب أليم( ٢١ ) ( التوبة ).
هذه بعض صفات المنافقين التي يفضحهم الله بكشفها للمؤمنين. وقد جاء الحق سبحانه لنا بمزيد من الكشف لقبائحهم وفضائحهم. فقال فيهم :
منهم من يلمزك في الصدقات فإن أعطوا منها رضوا وإن لم يعطوا منها إذا هم يسخطون( ٥٨ ) ( التوبة )كلنا أيضا نقرأ قول الله سبحانه :
ويل لكل همزة لمزة( ١ ) ( الهمزة )فما هي الهمزة وما هي اللمزة ؟ " الهمزة " : هو من يعيب في الآخرين عيبا خفيا ويسخر منهم خفية، ويكون ذلك بإشارة من عينه أو بأي حركة من جوارحه، ومثال هذا : حين تكون هناك مجموعة من الناس جالسين، ويحاول أحدهم النيل من أحد الحضور خفية، فيغمز بطرف عينه لإنسان آخر، أو يكون باللسان همسا في آذان إنسان أو بأي طريقة أخرى، والمهم أن يشار إلى العيب بطريقة خفية لا يلحظها معظم الحاضرين.
أما اللمزة فهم العيابون في غيرهم في حضورهم. فهناك القوي الذي يكشف العيوب بشجاعة وصراحة وهو اللماز، وأما الضعيف فهو يعيب خفية وهو الهماز. واللمزة تطلق على من يعيب كثيرا في الناس.
وهمزة لمزة، من صيغة المبالغة " فعلة " وتدل على كثرة فعل الشيء. فتقول " فلان أكلة " -بضمة على الألف- أي : يأكل كثيرا. وفلان ضحكة- بضمة على الضاد- أي : كثير الضحك.
إذن : فاللمزة هي كثرة العيب في الغير، وهي تدل على ضعف من يقول بها، ولو لم يكن ضعيفا لقال ما يريد بصراحة.
والحق سبحانه وتعالى يقول : ومنهم من يلمزك في الصدقات واللمز كما عرفنا هو البحث عن العيب، وهو هنا مظروف في شيء هو الصدقات.
وكان بعض من المنافقين يغتابون تشريع الصدقة، وكانوا يعيبون أن يتعب الغني ويشقى في الحصول على المال ثم يأخذ الفقير المال بلا تعب، فهل يعيبون التشريع نفسه ؟ أمن يعيبون كمية الصدقات المفروضة عليهم ويرونها كثيرة ؟ أم يعيبون حث الله للناس على الصدقة ؟ أم يعيبون الطريقة التي يتم بها صرف الصدقة للفقراء، وأن بعضهم يعطي كثيرا وبعضهم يعطي قليلا ؟ لقد كانوا يعيبون في كل هذه الأمور أو بعضها.
إذن : فاللمز إما أن يكون في التشريع، وإما أن يكون في كمية الصدقات أو في طريقة الصرف، والحادثة التي وقعت ونزلت فيها هذه الآية الكريمة كانت في مصارف الصدقة، فقد قام حرقوص بن زهير، وهو رأس الخوارج، وهو ابن ذي الخويصة، وقال : اعدل يا محمد. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ويلك ! ومن يعدل إن لم يعدل ؟ قد خبت وخسرت إن لم أعدل فقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه : يا رسول الله ائذن لي فيه أضرب عنقه. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :
" دعه فإذا له أصحابا يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم وصيامه مع صيامهم. يقرءون القرآن لا يجاوز تراقيهم. يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية. وينظر إلى نصله فلا يوجد فيه شيء، ثم ينظر إلى رصافه فلا يوجد فيه شيء، ثم ينظر على نضيّه وهو قدحه فلا يوجد فيه شيء، ثم ينظر إلى قذذه فلا يوجد فيه شيء. سبق الفرث والدم. آيتهم رجل أسود إحدى عضديه مثل ثدي المرأة. أو مثل البضعة تدردر، يخرجون على حين من الناس١.
قال أبو سعيد الخدري : فأشهد أني سمعت هذا من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأشهد أن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قاتلهم وأنا معه. فأمر بذلك الرجل-أي الرجل الأسود- فالتمس فوجد فأتى به، حتى نظرت إليه على نعت رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي نعت٢.
ويقول الحق سبحانه موضحا حال هؤلاء ومنهم من يلمزك في الصدقات فإن أعطوا منها رضوا وإن لم يعطوا منها إذا هم يسخطون أي : أن هؤلاء الناس إن أعطوا من الصدقة كانوا راضين مهللين، وإن لم يعطوا منها ملأ قلوبهم السخط، وبدأ باللمز. إذن : فالكمية المعطاة لهم من الصدقة كانت هي أساس اللمز.
ومثل هذا حدث في غزوة حنين. فقد وزع رسول الله صلى الله عليه وسلم الغنائم على قريش وأهل مكة، ولم يعط الأنصار شيئا.
فلما لم يدخل صلى الله عليه وسلم الأنصار في هذه القسمة، استاء بعضهم من ذلك، فجمعهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال لهم :
" ألا ترضون أن يرجع الناس بالشاة والبعير، وترجعون أنتم برسول الله ؟ المحيا محياكم والممات مماتكم، ولو سلك الناس شعبا وسلك الأنصار شعبا لسلكت شعب الأنصار " ٣
وهنا بكى الأنصار، وعرفوا أنهم سيعودون بما هو أكبر كثيرا من الغنائم ؛ سيعودون بصحبة رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقد يعطي رسول الله صلى الله عليه وسلم عهد بالإسلام شيئا من الصدقة ليربطه بهذا الدين، وقد يعطي لتأليف القلوب، وقد يعطي لفقير تأبى عزة نفسه أن يعترف أمام الناس بحاجته.
ولذلك كانت لرسول الله صلى الله عليه وسلم ملاحظ في توزيع الصدقات والغنائم، وقد لا يلحظها أحد. وكان الواجب على المسلمين أن يقبلوا عمل رسول الله صلى الله عليه وسلم لأن سلوكه هو الحكم، ولابد أن نقبله.
ففي الحديبية مثلا حيث حدث عهد بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين كفار قريش بألا يتعرض أحد منهم للآخر مدة عشرة أعوام٤، هذا الصلح أثار غضب عدد من المؤمنين وقالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم : أنرضى بالدنية في ديننا ؟ أي : كيف نعطيهم هذه العهود وهي مجحفة بالنسبة لنا ؟ حتى إن عمر ابن الخطاب رضي الله عنه انفعل وأراد أن يقسوا في الكلام وقال لرسول الله صلى الله عليه وسلم : ألست على حق يا رسول الله ؟ فقال له أبو بكر : إلزم غرزك يا عمر-أي اعرف مكانك- إنه رسول الله٥. وبعد أن مرت فترة من الزمن وعرف المسلمون الحكمة من صلح الحديبية، وما أتاحه هذا الصلح للإسلام من انتشاره وقوة أدت على فتح مكة، وقال أبو بكر رضي الله عنه : ما كان نصر للإسلام أعظم من نصر الحديبية. ولكن المسلمين في هذا الوقت لم يحط فكرهم بما بين محمد وربه ؛ لأن العباد دائما يعجلون، والله لا يعجل عجلة العباد حتى تبلغ الأمور ما أراد.
وقد أراد الحق سبحانه وتعالى أن يهدئ نفوس المؤمنين، وقيل أن يصلوا إلى المدينة عائدين بعد صلح الحديبية، نزل قوله تعالى :
{ هم الذين كفروا وصدوكم عن المسجد الحرام والهدى معكوفا أن يبلغ محله ولولا رجال مؤمنون ونساء مؤمنات لم تعلموهم أن تطئوهم فتصيبكم منهم معرة بغير علم ليدخل الله في رحمته من يشاء لو تزيلوا لعذبنا الذين كفروا منهم عذابا أليما( ٢٥ )
وهكذا أطلع الله المؤمنين على علة قبول صلح الحديبية وعدم القتال مع المشركين في هذا الوقت وذلك المكان، فقد كان هناك مؤمنون في مكة يكتمون إيمانهم ويعيشون في مجتمع الذين يمكنهم البطش بهؤلاء المسلمين لو علموا بوجودهم. كما أن المسلمين القادمين مع رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يعرفون هؤلاء المؤمنين، فإذا قامت المعركة فقد يقتل المسلم مسلما، لأن الذين قدموا من المدينة لو دخلوا مع أهل مكة في قتال فقد يقتلون بعضا من إخوانهم في الإيمان الموجودين في مكة، فهم لا يعرفونهم. ولو كان المؤمنون في ناحية والكفار في ناحية لعذب الحق الكفار بأيدي المؤمنين عذابا أليما.
إذن : فقد علم رسول الله صلى الله عليه وسلم من ربه سرا ولم يعلنه إلا لوقته، رغم تعجل من كانوا معه صلى الله عليه وسلم. ومثل هذا يحدث في حياتنا، فقد نجد مؤمنا يدعوا الله ولا تجاب دعوته. وعلى هذا المؤمن ألا يحزن، بل عليه أن يعلم أنه قد يكون في عدم الإجابة خير لا يعلمه. وأن من رحمة الله أنه لم يجب هذه الدعوة، مثلما تحمي ابنك الشاب من أن يحمل سلاحا ؛ خوفا من أن يتهور في أي مشاجرة ويقتل أحد، رغم أن السلاح معه حماية له، ولكنه أسلوب حماية قد يحمل الضرر، وقد يؤدي إلى عواقب وخيمة.
وحين تدعوا الله ولا يجيب دعاءك، فثق أنه سبحانه يحميك من نفسك ؛ لأنك لا تعلم والله سبحانه وتعالى يعلم. فقد تدعوا بشيء تحسبه خيرا والله سبحانه وتعالى يعلم أنه شر، إذن فعدم إجابة هذه الدعوة هو عين الإجابة لها٦
الحق سبحانه وتعالى يقول :
ومنهم من يلمزك في الصدقات فإن أعطوا منها رضوا وإن لم يعطوا منها إذا هم يسخطون ، والسخط هو : عدم الرضا في القلب، ثم يتعدى إلى اللسان، مثلما قال حرقوص بن زهير لرسول الله صلى الله عليه وسلم : اعدل يا محمد. أي : أنه سخط بقلبه أولا، ثم أساء بلسانه ثانيا.
وساعة يعرض الحق سبحانه لنا الداء في المجتمع الإيماني فهو جل وعلا يعطي الدواء الذي يحمي المجتمع من هذا الداء، وهؤلاء الناس كانوا يعيبون تشريع الصدقة، ورغم أنهم إن أعطوا منها رضوا، وإن لم يعطوا سخطوا، إذن : فموازينهم مختلة، وليست موازين حق ثابت، بل هي موازين هوى النفس، ولكن موازين الحق لا تتبع ولا تتوقف على هوى النفس، بل هي موازين ثابتة يعدل فيها الإنسان حتى مع ألد أعدائه٧.
ولكن هؤلاء الناس تختلف انفعالاتهم باختلاف مصلحتهم، وإذا أخذوا رضوا، وإذا منعوا سخطوا ؛ لأن ميزانهم هو المصلحة الخاصة البعيدة عن كل عدل.
-الرمية: أي الشيء الذي يصاب بالسهم إذا رماه صاحبه.
-النصل: الجزء الحاد في السهم نفسه.
-الرصاف: مدخل النصل من السهم.
- النضي: السهم بلا نصل ولا ريش.
- الفرث: ما في داخل الكرش من فضلات.
البضعة: قطعة اللحم
-تدردر: تتحرك وتضطرب..
٢ متفق عليه. أخرجه البخاري (٦١٦٣، ٦٩٣٣)، ومسلم (١٠٦٤) كتاب الزكاة حديث (١٤٨) من حديث سعيد الخدري واللفظ لمسلم..
٣ حديث صحيح سبق تخريجه مرارا كثيرة..
٤ لهذا الصلح شروط أخرى ذكرتها كتب السيرة والتفاسير:
١-أن يرجع رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه فلا يدخلون مكة معتمرين هذا العام.
٢- يعودون العام التالي للإعتمار ولكن بدون سلاح إلا السيوف في أغمادها فيقيم بمكة ثلاثا ويخرج.
٣-هدنة مدة عشر سنوات.
٤- من ذهب إلأى المسلميت من الكافرين مسلما رجلا أو امرأة رد إلى الكفار.
٥- من جاء من المسلمين إلى الكفار مرتدا لم يردوه إلى المسلمين.
وحديث صلح الحديبية حديث صحيح طذويل لأخرجه البخاري في صحيخه(٢٧٣١، ٢٧٣٢) من حديث المسور بن مخرمة ومروان بن الحكم، وأخرجه مسلم في صحيحه (١٧٨٥) من حديث سهل ابن حنيف..
٥ قال عمر ابن الخطاب: أتيت نبي الله صلى الله عليه وسلم فقلت: ألست نبي الله حقا؟ قال: بلى. قلت: أالسنا على الحق وعودنا على الباطل؟ قال: بلى. قلت: فلم نعطي الدنية في ديننا إذن إذا؟ قال: إني رسول الله ولست أعصيه، وهو ناصري. قلت: أو ليس كنت تحدثنا أنا سنأتي البيت فنطوف به؟... وذهب عمر إلى أبي بكر فقال له نحو هذا فقال له أبو بكر: أيها الرجل، إنه لرسول الله، وليس يعصي ربه، وهو ناصره، فاستمسك بغرزه فو الله إنه على حق (فتح الباري ٥/٣٣٢) أي: استمسك بأمره وترك المخالفة له صلى الله عليه وسلم..
٦ عن أبي سعيد الخدري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"ما من مسلم يدعوا بدعوة ليس فيها إثم ولا قطيعة رحم إلا أعطاه الله بها إحدى ثلاث: إما أن تعجل له في دعوته، وإما أن يدخرها له في الآخرة، وإما أن يصوف عنه السوء مثلها. قالوا: إذا نكثر. قال: الله أكبر". أخرجه أحمد في مسنده (٣/١٨) والحاكم في مستدركه (١/٤٩٣) وصححه والطبراني في الصغير (٢/٩٢)..
٧ وفي هذا يقول سبحانه:ولوا اتبع الحق أهواءهم لفسدت السماوات والأرض ومن فيهن(المؤمنون: ٧١)..
تفسير الشعراوي
الشعراوي