وقوله :( كالذين من قبلكم ) : خبر، أي : أنتم كالذين، أو مفعول بمحذوف، أي : فعلتم مثل فعل من قبلكم.
كالذين من قبلكُم أي : أنتم كالذين من قبلكم، أو فعلتم مثل فعل الذين من قبلكم، كانوا أشدَّ منكم قوةً وأكثر أموالاً وأولاداً ، وهو بيان لتشبيههم بهم، وتمثيل حالهم بحالهم، فاستمتعوا بخلاقهم أي : نصيبهم من ملاذ الدنيا وحظوظها، فأمّلوا بعيداً وبنوا مشيداً، فرحلوا عنه وتركوه، فلا ما كانوا أملوا أدركوا، ولا إلى ما فاتهم رجعوا، فاستمتعتُم أنتم بخلاقِكم أي : بنصيبكم مما خلق الله لكم وقدره لكم في الأزل، كما استمتع الذين من قبلكُم بخلاقِهِم ، ثم تركوا ورحلوا عنه، كذلك ترحلون أنتم عنه وتتركونه.
قال البيضاوي : ذمَّ الأولين باستمتاعهم بحظوظهم المُخدَّجة من الشهوات الفانية، والتِهَائِهم بها عن النظر في العاقبة، والسعي في تحصيل اللذائذ الحقيرة ؛ تمهيداً لذم المخاطبين بمشابهتهم واقتفاء آثارهم. ه.
وخُضْتُم في الباطل كالذي خاضُوا أي : كخوضهم، أو كالخوض الذي خاضوه، وقيل : كالذين خاضوا فيه، فأوقع الذم على الجمع. أولئك حبِطَتْ أَعمالُهم في الدنيا والآخرة أي : لم يستحقوا عليها ثواباً في الدارين، وأولئك هم الخاسرون ؛ الكاملون في الخسران، خسروا الدنيا والآخرة.
الإشارة : ينبغي لأهل الإيمان الكامل أن يتباعدوا عن أوصاف المنافقين ؛ فيأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، ويمدّون أيديهم بالعطاء والإيثار، ويذكرون الله على سبيل الاستهتار، حتى يذكرهم برحمته. ويتشبهون بمن قبلهم من الصالحين الأبرار، فقد استمتعوا بلذيذ المناجاة، وحلاوة المشاهدات، وبلطائف العلوم والمكاشفات، أولئك الذين ثبتت لهم الكرامة من الله في الدنيا والآخرة، وأولئك هم الفائزون.
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي