قال القاضي أبو محمد: وهذا يقتضي كفر العناد الذي قلناه، وقوله وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ الآية، نزلت على ما ذكر جماعة من المفسرين في وديعة بن ثابت وذلك أنه مع قوم من المنافقين كانوا يسيرون في غزوة تبوك، فقال بعضهم لبعض هذا يريد أن يفتح قصور الشام ويأخذ حصون بني الأصفر هيهات هيهات، فوقفهم رسول الله ﷺ على ذلك، وقال لهم قلتم كذا وكذا، فقالوا إِنَّما كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ، يريدون كنا غير مجدين، وذكر ابن إسحاق أن قوما منهم تقدموا النبي صلى الله عليه وسلم، وقال بعضهم كأنكم والله غدا في الحبال أسرى لبني الأصفر إلى نحو هذا من القول، فقال النبي ﷺ لعمار بن ياسر: «أدرك القوم فقد احترقوا وأخبرهم بما قالوا»، ونزلت الآية، وروي أن وديعة بن ثابت المذكور قال في جماعة من المنافقين: ما رأيت كقرائنا هؤلاء لا أرغب بطونا ولا أكثر كذبا ولا أجبن عند اللقاء فعنفهم رسول الله ﷺ على هذه المقالة فقالوا إِنَّما كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ، ثم أمره بتقريرهم أَبِاللَّهِ وَآياتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِؤُنَ وفي ضمن هذا التقرير وعيد، وذكر الطبري عن عبد الله بن عمر أنه قال: رأيت قائل هذه المقالة وديعة متعلقا بحقب ناقة رسول الله ﷺ يماشيها والحجارة تنكبه وهو يقول إِنَّما كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ والنبي يقول أَبِاللَّهِ وَآياتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِؤُنَ، وذكر النقاش أن هذا المتعلق كان عبد الله بن أبي ابن سلول، وذلك خطأ لأنه لم يشهد تبوك، وقوله تعالى: لا تَعْتَذِرُوا الآية، المعنى قل لهم يا محمد لا تعتذروا على جهة التوبيخ كأنه قال لا تفعلوا ما لا ينفع.
ثم حكم عليهم بالكفر فقال لهم قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمانِكُمْ الذي زعمتموه ونطقتم به، وقوله عَنْ طائِفَةٍ مِنْكُمْ يريد فيما ذكر المفسرون رجلا واحدا قيل اسمه مخشن بن حفير قاله ابن إسحاق، وقال ابن هشام ويقال فيه مخشي وقال خليفة بن خياط في تاريخه مخاشن بن حمير وذكر ابن عبد البر مخاشن الحميري وذكر جميعهم أنه استشهد باليمامة وكان قد تاب وتسمى عبد الرحمن، فدعا الله أن يستشهد، ويجهل أمره فكان ذلك باليمامة ولم يوجد جسده، وذكر أيضا ابن عبد البر محشي بن حمير بضم الحاء وفتح الميم وسكون الياء ولم يتقن القصة، وكان محشي مع المنافقين الذين قالوا إِنَّما كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ فقيل كان منافقا ثم تاب توبة صحيحة، وقيل كان مسلما مخلصا إلا أنه سمع كلام المنافقين فضحك لهم ولم ينكر عليهم فعفا الله عنه في كلا الوجهين، ثم أوجب العذاب لباقي المنافقين الذين قالوا ما تقدم، وقرأ جميع السبعة سوى عاصم «إن يعف عن طائفة» بالياء «تعذب» بالتاء، وقرأ الجحدري «إن يعف» بالياء على تقدير يعذب الله «طائفة» بالنصب، وقرأ عاصم وزيد بن ثابت وأبو عبد الرحمن «إن نعف» بالنون «نعذب» بنون الجميع أيضا، وقرأ مجاهد «إن تعف» بالتاء المضمومة على تقدير إن تعف هذه الذنوب «تعذب» بالتاء أيضا.
قوله عز وجل:
[سورة التوبة (٩) : الآيات ٦٧ الى ٦٩]
الْمُنافِقُونَ وَالْمُنافِقاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنافِقِينَ هُمُ الْفاسِقُونَ (٦٧) وَعَدَ اللَّهُ الْمُنافِقِينَ وَالْمُنافِقاتِ وَالْكُفَّارَ نارَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها هِيَ حَسْبُهُمْ وَلَعَنَهُمُ اللَّهُ وَلَهُمْ عَذابٌ مُقِيمٌ (٦٨) كَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ كانُوا أَشَدَّ مِنْكُمْ قُوَّةً وَأَكْثَرَ أَمْوالاً وَأَوْلاداً فَاسْتَمْتَعُوا بِخَلاقِهِمْ فَاسْتَمْتَعْتُمْ بِخَلاقِكُمْ كَمَا اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ بِخَلاقِهِمْ وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خاضُوا أُولئِكَ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَأُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ (٦٩)
هذا ابتداء إخبار عنهم وحكم من الله تعالى عليهم بما تضمنته الآية، فقوله بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ يريد في الحكم والمنزلة من الكفر، وهذا نحو قولهم الأذنان من الرأس يريدون في حكم المسح وإلا فمعلوم أنهما من الرأس، ولما تقدم قبل «وما هم منكم» حسن هذا الإخبار، وقوله يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ يريد بالكفر وعبادة غير الله وسائر ذلك من الآية لأن المنافقين الذين نزلت هذه الآيات فيهم لم يكونوا أهل قدرة ولا أفعال ظاهرة وذلك بسبب ظهور الإسلام وكلمة الله عز وجل، و «القبض» هو عن الصدقة وفعل الخير، وقوله تعالى: نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ أي تركوه حين تركوا نبيه وشرعته فتركهم حين لم يهدهم ولا كفاهم عذاب النار، وإنما يعبر بالنسيان عن الترك مبالغة إذا بلغ وجوه الترك الوجه الذي يقترن به نسيان، وعلى هذا يجيء وَلا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ [البقرة: ٢٣٧] وَلا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيا [القصص: ٧٧] ثم حكم عليهم عز وجل بالفسق وهو فسوق الكفر المقتضي للخلود في النار.
وكان قتادة يقول فَنَسِيَهُمْ أي من الخير ولم ينسهم من الشر، وقوله وَعَدَ اللَّهُ الْمُنافِقِينَ الآية، لما قيد الوعد بالتصريح بالشر صح ذلك وحسن وإن كانت آية وعيد محض، والْكُفَّارَ في هذه الآية المعلنون، وقوله هِيَ حَسْبُهُمْ أي كافيتهم وكافية جرمهم وكفرهم نكالا وجزاء، فلو تمنى أحد لهم عذابا لكان ذلك عنده حسبا لهم، وَلَعَنَهُمُ اللَّهُ معناه أبعدهم عن رحمته، وعَذابٌ مُقِيمٌ معناه مؤبد لا نقلة له، وقوله تعالى كَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ الآية، أمر الله نبيه أن يخاطب بها المنافقين فيقول لهم كَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ، والمعنى أنتم كالذين أو مثلكم مثل الذين من قبلكم، وقال الزجّاج: المعنى وعدا كما وعد الذين من قبلكم فهو متعلق بوعد.
قال القاضي أبو محمد: وهذا قلق، ثم قال كانُوا أَشَدَّ مِنْكُمْ وأعظم فعصوا فأهلكوا فأنتم أحرى بالإهلاك لمعصيتكم وضعفكم، والخلاق الحظ من القدر والدين وجميع حال المرء وخلاق المرء الشيء الذي هو به خليق والمعنى عجلوا حظهم في دنياهم وتركوا باب الآخرة فاتبعتموهم أنتم.
قال القاضي أبو محمد: وأورد الطبري في تفسير هذه الآية قوله ﷺ «لتتبعن سنن من قبلكم شبرا بشبر وذراعا بذراع حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه»، وما شاكل هذا الحديث مما يقتضي اتباع محمد ﷺ لسائر الأمم، وهو معنى لا يليق بالآية جدا إذ هي مخاطبة لمنافقين كفار أعمالهم حابطة والحديث مخاطبة لموحدين يتبعون سنن من مضى في أفعال دنيوية لا تخرج عن
المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز
أبو محمد عبد الحق بن غالب بن عبد الرحمن بن تمام بن عطية الأندلسي المحاربي
عبد السلام عبد الشافي محمد