ألم يأتهم نبأ الذين من قبلهم قوم نوح وعاد وثمود وقوم إبراهيم وأصحاب مدين والمؤتفكات أتتهم رسلهم بالبينات فما كان الله ليظلمهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون( ٧٠ )
وبعد أن ذكر الحق سبحانه في الآية السابقة القضية العامة في قوله : كما استمتع الذين من قبلكم بخلاقكم جاء في هذه الآية بالإعلام والأشخاص وهم الرسل ومن عاداهم فقال : ألم يأتهم نبأ الذين من قبلهم وساعة يقول : ألم يأتهم فهنا همزة الاستفهام، ولام النفي. والهمزة تنفي هذا النفي، أي أتاهم نبأ هؤلاء. وحين ينفي النفي في أمر فالمراد إثبات الأمر، وأنت لا تستفهم الاستفهام الإنكاري، إلا وأنت واثق من أن الجواب عند من تسأله هو :" نعم "، فحين تقول لإنسان : أنت تخليت عني في محنتي. فيقول : ألم أزرك في يوم كذا ؟ ألم أعطك كذا ؟ ألم أصنع مع ابنك كذا ؟ فهو واثق أنك لا تستطيع إنكار شيء من هذا لأنه ثابت ثبوتا حقيقيا.
ونلحظ هنا الحق جاء بالخطاب للغيبة فقال : ألم يأتهم ولم يقل :" ألم يأتكم "، فسبحانه يخاطبهم ترقيقا لهم، ثم يتكلم عنهم مرة ثانية وكأنهم غائبون. وكأن هذا أيضا مزيد من حرص رسول الله صلى الله عليه وسلم في غيبتهم، فهو صلى الله عليه وسلم، حريص على هدايتهم.
ألم يأتهم نبأ الذين من قبلهم والنبأ : هو الخبر الهام. ونحن لا نقول عن كل خبر : نبأ، بل نقول عن الخبر الهام فقط إنه نبأ، والنبأ أصله من النبوة، والنبوة واضحة ظاهرة وليست مطموسة، ولذلك فكل شيء هام ظاهر قد حدث يقال عنه نبأ، وفي ذلك يقول الحق سبحانه وتعالى : عم يتساءلون( ١ ) عن النبأ العظيم( ٢ ) الذي هم فيه مختلفون( ٣ ) ( النبأ )ولا يوجد نبأ أعظم من نبأ القيامة.
وقد جاء الحق سبحانه وتعالى بالقضية الأولى التي كان الخطاب فيها مباشرا كقضية عامة، وجاء بالقضية الثانية التي تكلم فيها عنهم غيبا كقضية خاصة.
ثم حدد الحق سبحانه المقصود بالذين من قبلهم، وهم قوم نوح الذين أغرقهم الله بالطوفان. وكان قوم نوح كلما مروا عليه وهو يصنع السفينة سخروا منه، وفي ذلك يقول الحق سبحانه وتعالى ردا على من سخروا من نوح : إن تسخروا منا فإنا نسخر منكم كما تسخرون( ٣٨ ) ( هود )أي أنتم يا من تسخرون من نوح عليه السلام جاهلون بالغيب، ولكن الله أعلم نوحا وقومه بما سوف يكون، ولذلك فالسخرية الحقيقية هي من أولئك الذين رفضوا الإيمان، ولم يعملوا بما أعده الله لهم.
ثم ذكر الحق بعد ذلك عادا وثمود وقوم إبراهيم وأصحاب مدين وهم قوم شعيب، والمؤتفكات، أي قوم لوط. ومعنى المؤتفك أي المنقلب. وقد جعل الله عاليها سافلها. ويقول الحق سبحانه : والمؤتفكة أهوى( ٥٣ ) فغشاها ما غشى( ٥٤ ) ( النجم )أي : كانت عالية فأنزلها للهاوية. والإفك هو الصرف عن الحقيقة، كما قالوا لإبراهيم.
أجئتنا لتأفكنا عن آلهتنا فأتنا بما تعدنا إن كنت من الصادقين( ٢٢ ) ( الأحقاف )أي : لتصرفنا عنهم.
ما قصة هؤلاء الأنبياء وأقوامهم ؟ يقول الحق سبحانه وتعالى :
أتتهم رسلهم بالبينات فما كان الله ليظلمهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون أي أن قوم نوح وقوم إبراهيم وغيرهم أتتهم رسالات السماء ولم تأتهم الرسالة كمنهج فقط، بل جاءتهم معجزات تثبت صدق بلاغ الرسل عن ربهم، فكأنه لا حجة لهم أن ينصرفوا عن منهج السماء أو أن يكذبوا به، لأن كل منهج مؤيد بمعجزة تثبت صدق الرسول في رسالته. وقد تتابع هؤلاء الرسل على البشر ليهديهم إلى منهج السماء، ويبينوا لهم طريق الحق. وكان تعدد الرسالات في أول الخلق، لأن العالم كان منعزلا عن بعضه البعض، حتى إن أقواما عاشوا على الأرض في زمن واحد وأماكن متفرقة، ولم يعلم أحد منهم عن الآخر شيئا، ولكن العالم الآن اتصل ببعضه البعض، بحيث إذا وقعت الحادثة في مكان، نراها عن طريق الأقمار الصناعية في ثوان، وربما في نفس الوقت الذي تحدث فيه، إن كان الحادث معدا له مسبقا، وقد رأى العالم أول إنسان ينزل فوق سطح القمر في نفس اللحظة التي نزل فيها.
وعندما كان العالم يعيش في انعزال، كانت كل بيئة لها لون من المعصية والفساد، فكان الرسول يأتي ليحارب هذا اللون من المعصية والفساد الموجود في بيئة معينة، ولا يوجد هذا اللون من المعصية والفساد في بيئة أخرى.
ولكن بعدما توحد العالم توحدت الداءات، فالداء يظهر في أمريكا مثلا، وبعد فترة قصيرة جدا يظهر في أوروبا أو في مصر. ولذلك كان لا بد أن يأتي رسول واحد، لأن الداءات أصبحت واحدة، واقتضى الأمر وحدة المعالجة، لذلك كانت رسالة رسول الله صلى الله عليه وسلم رسالة لكل الأزمان ولكل الأمكنة.
وحين يقول سبحانه : أتتهم رسلهم بالبينات فالبينات هي الشيء الذي يبين لك ما هو الحق، والمعجزات التي صاحبت الرسالات السماوية بينت وأكدت أن الرسول مبلغ عن ربه، وكانت المعجزة واضحة تماما ليراها كل قوم رؤية تسمح باستيعابها. ولذلك كان كل رسول يأتي بآية يجمع الكل على أنها معجزة. فأنت قد تأتي بشئ عجيب، ولكن لا يجمع الناس على أنها معجزة. فعندما اخترع الفانوس السحري، قال بعض الناس : إنه شيء عجيب. وبعضهم قال : إنه خداع نظر. ولكن معجزات الرسل لابد أن تستوعبها كل مستويات العقول، يستوعبها المتعلم والذي لم يقرأ حرفا في حياته، لأن الدين دين فطرة يخاطب أكبر العقول وأكثرها علما كما يخاطب عقل البدوي الذي يقضي حياته كلها في الصحراء، لا يعرف شيئا ولم يعش حضارة ولم يدرس علما.
إذن : فالمعجزات لا بد أن تكون واضحة لكل المستويات، حتى لا يكون هناك عذر لأحد. ولذلك يقول الحق سبحانه وتعالى : فما كان الله ليظلمهم ، وهذا دليل على أن الحق سبحانه وتعالى يحاسبهم على قدر استيعابهم للمعجزة، فكأن كل العقول قد فهمت وأيقنت أن هناك معجزة. والذين استقبلوا للمعجزة، المعجزة بالكفر ظلموا أنفسهم، لأنهم بعد أن استوعبوا المعجزة، وتحققوا أنها خرق لقوانين الكون ولا يمكن أن يأتي به إلا الله سبحانه وتعالى، ولكنهم رغم ذلك رفضوا الإيمان.
ويقول الحق عنهم : فما كان الله ليظلمهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون والظلم أنك تأخذ حقا وتنقله إلى الباطل. ولكن الحقوق مختلفة، فأي حق ذلك الذي تنقله إلى الباطل ؟ إنه حق الوجود الأعلى الواجب الإيمان به وعبادته.
وكيف يظلم الإنسان نفسه ؟ يظلم الإنسان نفسه حين تزين له النفس شهوة فيرتكبها، ليأخذ لذة عاجلة ويحرمها من نعيم دائم. وهناك من يظلم نفسه بظلم غبره، مثل شاهد الزور(١)، هذا الذي ينصر صاحب باطل على صاحب حق. ومن شهد الزور يسقط حتى في عين ذلك الذي شهد له. فإن جاء ليشهد أمامه في قضية، فهو لا يقبل شهادته وينظر إليه باحتقار، وكان يجب على من يطلب من إنسان شهادة زور أن ؛ يضربه لأنه يريد أن يسقطه في نظر الناس، وفي نظر هذا الذي شهد من أجله، لأن شاهد الزور حين أعان إنسانا على خصمه، فالكل ينظر إلى مثل هذا الشاهد بالاحتقار.
تفسير الشعراوي
الشعراوي