قال الله تعالى :
يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلَامِهِمْ وَهَمُّوا بِمَا لَمْ يَنَالُوا وَمَا نَقَمُوا إِلَّا أَنْ أَغْنَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ فَإِنْ يَتُوبُوا يَكُ خَيْرًا لَهُمْ وَإِنْ يَتَوَلَّوْا يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ عَذَابًا أَلِيمًا فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ وَمَا لَهُمْ فِي الْأَرْضِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ [ التوبة : ٧٤ ].
وفيها مسألة واحدة، وهي :
[ ٦٦ ] هل من القول ما يكون كفرا.
يقول الإمام ابن حزم في رده على المرجئة :
( وأما قولهم : إن شتم الله تعالى ليس كفرا، وكذلك شتم رسول الله صلى الله عليه وسلم. فهو دعوى ؛ لأن الله تعالى قال : يحلفون بالله ما قالوا ولقد قالوا كلمة الكفر وكفروا بعد إسلامهم [ التوبة : ٧٤ ].
فنص تعالى على أن من الكلام ما هو كفر.
وقال تعالى : إذا سمعتم آيات الله يكفر بها ويستهزأ بها فلا تقعدوا معهم حتى يخوضوا في حديث غيره إنكم إذا مثلهم [ النساء : ١٤٠ ].
فنص تعالى : أن من الكلام في آيات الله تعالى ما هو كفر بعينه مسموع.
وقال تعالى : قل أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزئون لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم إن نعف عن طائفة منكم نعذب طائفة [ التوبة : ٦٥-٦٦ ].
فنص تعالى على أن الاستهزاء بالله تعالى أو بآياته أو برسول من رسله كفر مخرج عن الإيمان، ولم يقل تعالى في ذلك : إني علمت أن في قلوبكم كفرا، بل جعلهم كفارا بنفس الاستهزاء، ومن ادعى غير هذا، فقد قول الله تعالى ما لم يقل، وكذب على الله تعالى.
وقال عز وجل : إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا لِيُوَاطِئُوا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ [ التوبة : ٣٧ ].
قال أبو محمد : وبحكم اللغة التي نزل بها القرآن أن الزيادة في الشيء لا تكون البتة إلا منه لا من غيره، فصح أن النسيء كفر، وهو عمل من الأعمال، وهو تحليل ما حرم الله تعالى.
فمن أحل ما حرم الله تعالى، وهو عالم بأن الله تعالى حرمه، فهو كافر بذلك الفعل نفسه.
وكل من حرم ما أحل الله تعالى، فقد أحل ما حرم الله عز وجل ؛ لأن الله تعالى حرم على الناس أن يحرموا ما أحل الله.
وأما خلال(١) الإجماع، فإن جميع أهل الإسلام لا يختلفون فيمن أعلن جحد الله تعالى، أو جحد رسوله صلى الله عليه وسلم، فإنه محكوم له بحكم الكفر قطعا، إما القتل، وإما أخذ الجزية وسائر أحكام الكفر. وما شك قط أحد في : هل هم في باطن أمرهم مؤمنون أم لا ؟.
ولا فكروا في هذا : لا رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا أحد من أصحابه، ولا أحد ممن بعدهم )(٢).
٢ (الفصل) (٣/٢٤٤-٢٤٥). وانظر: (الفصل) (٣/٢٣٥)، (المحلى) (١٢/٤٣٥)، (الدرة) ص ٣٣٩..
آراء ابن حزم الظاهري في التفسير
أبو محمد علي بن أحمد بن سعيد بن حزم الأندلسي القرطبي الظاهري